الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

حوكمة البحر الأحمر ما بين الفرص والتحديات

  • مشاركة :
post-title
خريطة البحر الأحمر

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

في ظل تنوع التحديات التي تواجه الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وتتمثل في التحديات الأمنية المرتبطة بالأوضاع في السودان والقرن الإفريقي واليمن وتأثيراتها على أمن الملاحة والتجارة الدولية، والاتجاه نحو مواجهة تلك التحديات عبر مقاربة شاملة تتضمن البُعد الأمني والتنموي، برز مفهوم "حوكمة البحر الأحمر" كمقاربة شاملة طُرحت لتعزيز الاستقرار على ضفتي البحر الأحمر؛ انطلاقًا من حقيقة مؤداها أن أمن وإدارة البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن دوله ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية.

في هذا السياق جاء طرح وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج، الدكتور بدر عبد العاطي لمبادرة السويس والبحر الأحمر للتنمية الاقتصادية والبحرية "StREAM"، كخريطة طريق لتعزيز التنمية المستدامة في المنطقة من خلال أربعة محاور رئيسية تشمل الاقتصاد الأزرق، وتطوير البنية التحتية والموانئ، والحفاظ على البيئة، وتعميق التكامل الاقتصادي.

كان هذا الطرح خلال انعقاد "منتدى أسوان للسلام والتنمية" في أكتوبر 2025، ثم أصبح هذا الطرح توجهًا ومرتكزًا رئيسيًا في السياسة المصرية إزاء التعامل مع التحديات التي تواجه أمن البحر والسعي لتعزيز الاستقرار والتنمية. ومن ذلك ما طرحه وزير الخارجية المصري خلال زيارته إلى إريتريا ولقائه الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في 16 مايو 2026، من التأكيد على أن حوكمة وأمن البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، باعتباره ممرًا استراتيجيًا يرتبط بشكل مباشر بالأمن القومي لتلك الدول، ولا يجوز لأي أطراف غير مشاطئة الانخراط في ترتيبات أو تفاهمات تخصه، مؤكدًا دعم مصر للرؤية الإريترية بشأن إدارة البحر الأحمر، وما تضمنته من التأكيد على وحدة وسيادة الدول المطلة عليه.

ويكتسب البحر الأحمر أهميته من كونه يربط بين ثلاث قارات هي آسيا وإفريقيا وأوروبا، ويعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية والمائية الحيوية في العالم. إذ يتحكم في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، حيث يربط المحيط الهندي ببحر العرب من الجنوب عبر مضيق باب المندب، والبحر الأبيض المتوسط من الشمال عبر قناة السويس. كما يعد ممرًا رئيسيًا لعبور ناقلات النفط والغاز الطبيعي القادمة من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية في أوروبا وأمريكا الشمالية.

تحديات متنوعة

تمثل مبادرة حوكمة البحر الأحمر سعيًا مصريًا لمواجهة تنوع التحديات التي تواجه الاستقرار على ضفتي البحر الأحمر، ويُمكن الإشارة إلى أهم تلك التحديات على النحو التالي:

(*) هشاشة الدولة الوطنية: تشكّل هشاشة الدولة الوطنية في عدد من الدول المشاطئة للبحر الأحمر تحديًا ماثلًا يعكس تفاوت الإمكانيات الأمنية والاقتصادية بين الدول المشاطئة، فغياب الدولة الوطنية القادرة على القيام بوظائفها الرئيسية منها الوظيفة الأمنية، والوظيفة الاستخراجية (استخراج الموارد)، والوظيفة التوزيعية (توزيع الموارد)، ووظيفة الدفاع، أدى إلى تشكيل كيانات موازية للدولة تسعى للقيام بتلك الوظائف، بما أدى لتغييب الدول الوطنية وغياب تلك الوظائف لتحقيق الضبط المجتمعي، فضلًا عن ارتباطات تلك الكيانات الخارجية، مما جعلها عُرضة لأجندات خارجية ربما لا تتوافق مع أمن دول البحر الأحمر.

في هذا السياق سعت إثيوبيا، وفي ظل ضعف الدولة الصومالية، إلى أن يكون لها وجود دائم على البحر الأحمر كحل لمعضلتها الجغرافية كدولة حبيسة، من خلال عقد اتفاقية مع ما يسمى إقليم أرض الصومال، الذي أعلن انفصاله عن دولة الصومال، حيث أبرمت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع الإقليم مطلع عام 2024. بموجبها، تمنح ما يسمى أرض الصومال إثيوبيا منفذًا بحريًا بطول 20 كيلومترًا يضم ميناء بربرة لمدة 50 عامًا، مقابل أن تعترف إثيوبيا رسميًا بالإقليم كدولة مستقلة. كما أعلنت إسرائيل عن تعيين الدبلوماسي مايكل لوتيم كأول سفير لها لدى ما يسمى إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) في أبريل 2026، وذلك عقب إقرارها اعترافًا متبادلًا بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة في أواخر عام 2025. وقد أثار هذا التعيين وإقرار أوراق اعتماد السفير رفضًا رسميًا واسعًا من الحكومة الصومالية، إضافة إلى إدانات من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الإفريقي. تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل أصبحت أول دولة تعترف بما يسمى أرض الصومال في نهاية ديسمبر 2025، منذ أن أعلن الإقليم استقلاله من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

(*) التهديدات الإرهابية والقرصنة: تواجه الملاحة في البحر الأحمر العديد من التحديات، أبرزها نشاطات التنظيمات الإرهابية وتصاعد القرصنة، وذلك من خلال توسيع نطاق الهجمات التي تستهدف خطوط التجارة الحيوية وعصب إمدادات الطاقة العالمية. إذ تشهد الممرات المائية الحيوية، خاصة بالقرب من مضيق باب المندب وسواحل القرن الإفريقي، نشاطًا متجددًا للقراصنة الصوماليين، مما يشكّل خطرًا مباشرًا على حركة ناقلات النفط وسفن الشحن. كما تستغل بعض التنظيمات الإرهابية حالة الفراغ الأمني في بعض المناطق الساحلية لتهريب الأسلحة والأموال، مما يهدد بفتح جبهات إرهابية بحرية جديدة تعرقل سلاسل الإمداد. وهو ما يؤكد صحة التحليلات التي تبنت فكرة التحالف بين الجريمة المنظمة والإرهاب، مما جعل منطقة البحر الأحمر لا تزال تُصنّف كممر عالي الخطورة.

(*) التدخلات الخارجية: شهد البحر الأحمر تصعيدًا كبيرًا طوال السنوات الماضية إثر الهجمات التي شنّتها جماعة الحوثي اليمنية على السفن التجارية وناقلات النفط. وعلى الرغم من التهدئة النسبية في استهداف الناقلات اعتبارًا من منتصف عام 2024، فإن المرور من تلك المنطقة أضحى يُصنّف من قِبل شركات الشحن العالمية كمخاطرة أمنية معقدة، مما أجبر العديد من تلك الشركات على اتخاذ طرق بديلة أطول مسافة وأكثر تكلفة، مع تزايد تكاليف التأمين البحري، الأمر الذي انعكس على انخفاض حركة الملاحة في الممرات الاستراتيجية بالبحر الأحمر ومنها قناة السويس. ومع تنامي تلك المخاطر، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن مبادرة "حارس الازدهار" في ديسمبر 2023، وهي مبادرة أمنية متعددة الجنسيات تحت مظلة القوات البحرية المشتركة وقيادة فرقة العمل 153 التابعة لها، والتي ارتكزت على أن التصعيد في هجمات الحوثيين يهدد التدفق الحر للتجارة، ويعرّض البحارة الأبرياء للخطر، وينتهك القانون الدولي. واعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية أن البحر الأحمر ممر مائي بالغ الأهمية وضروري لحركة الملاحة وممرًا تجاريًا رئيسيًا يسهل التجارة الدولية. وشمل التحالف المتعدد الجنسيات المملكة المتحدة والبحرين وكندا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وسيشيل وإسبانيا.

فرص واعدة

هناك العديد من الفرص التي يمكن أن تُسهم في تعزيز مبادرة حوكمة البحر الأحمر، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) توحيد توجهات الدول المشاطئة للبحر الأحمر: تتمثل نقطة الارتكاز الرئيسية لتعزيز أوجه التعاون بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر في ضرورة اتفاق دوله على الحد الأدنى من التصورات المشتركة، التي ينبغي أن تكون بمثابة دليل استرشادي يوجه بوصلة سياسات هذه الدول إزاء التحديات المتنامية والمعقدة التي تواجه أمن واستقرار البحر الأحمر، لا سيما أن تلك التهديدات، وما يرتبط منها بإغلاق الممرات البحرية المؤدية من وإلى البحر الأحمر، يؤثر على فرص التنمية ليس فقط في الدول المشاطئة، وإنما أيضًا على فرص التنمية العالمية التي ترتبط بشكل مباشر بأمن الطاقة العالمي. وقد برزت هذه الحاجة بشدة في ضوء التصعيدات الإقليمية الأخيرة؛ فمنذ فبراير 2026، شهدت المنطقة تصعيدًا عسكريًا أمريكيًا-إسرائيليًا-إيرانيًا، تضمن تهديدات إيرانية بإغلاق مضيق هرمز (الذي يمر به نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية)؛ مما أدى بالفعل إلى اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار وإجراءات تقشفية في عدد من الدول (مثل رفع أسعار المحروقات، وتخفيض أيام العمل، وتقليص ساعات عمل المرافق العامة). لذلك تحتاج دول البحر الأحمر المشاطئة إلى وضع ميثاق شرف يحول دون توظيف ممراتها في الصراعات الدولية، على أن يستند هذا الميثاق إلى مبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وكذلك الاتفاقيات البحرية التي تنظّم حق المرور العابر عبر الممرات البحرية الدولية.

(*) التكامل التنموي: يمثّل التكامل التنموي والاقتصادي أحد المداخل الحيوية لتعزيز فرص التعاون بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر. فكما نجحت دول ضفتي المتوسط في تعزيز الشراكات الاقتصادية بين شمال وجنوب المتوسط من خلال المشروعات التنموية، سواء عبر المؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد من أجل المتوسط، أو عبر الشراكات التنموية الثنائية (ومنها انعقاد القمة الأوروبية المصرية في أكتوبر 2025، وهي القمة الأولى بين الاتحاد الأوروبي ودولة من جنوب المتوسط)، فإن الدول المشاطئة للبحر الأحمر تحتاج إلى تكامل تنموي واقتصادي مماثل. ومن الممكن أن يتم الاتفاق بين دوله على نقل وتبادل خبرات تطوير الموانئ على طول البحر الأحمر وربطها معًا، لتكون بداية جادة نحو تعزيز الاستثمار في البنية التحتية، وهو ما سينعكس بلا شك على التنمية في منطقة البحر الأحمر. صحيح أن ثمة تباينات في توجهات وسياسات الدول المشاطئة، إلا أن مرتكزات التكامل الاقتصادي وتعدد مجالاته قد تُسهم في الحد من ذلك التمايز، وبالتالي تعزيز التنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر وخلق شبكة لوجستية وتجارية موحدة تُزيد من كفاءة سلاسل الإمداد العالمية.

(*) التعاون الدبلوماسي: يشكّل التعاون الدبلوماسي بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر إحدى أدوات التعاون التي سيكون لها تأثيرها المباشر على فرص حوكمة البحر الأحمر، وجعله بحيرة تخص الدول المشاطئة له. وربما تمثل المنصات المؤسسية آلية مؤثرة نحو هذا التعاون، ومنها كيانات مثل مجلس الدول العربية والإفريقية المُطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي تم الإعلان عنه في العاصمة السعودية الرياض في السادس من يناير 2020، باعتباره تكتلًا إقليميًا يتبنى رؤية شاملة للتعاون بين أعضائه ويهدف إلى ضمان أمن البحر الأحمر وخليج عدن.

الخلاصة، تمثّل المبادرة المصرية لحوكمة البحر الأحمر، والتي تقوم على تعميق التكامل الاقتصادي بين الدول المشاطئة له، وتطوير البنية التحتية والموانئ، والحفاظ على البيئة، والاقتصاد الأزرق، مرتكزًا رئيسيًا في ظل الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية والاقتصادية لمنطقة البحر الأحمر، انطلاقًا من أن أمن وإدارة البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن دوله ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية. وهي المبادرة التي ستسهم، حال تطبيقها على أرض الواقع، في ترسيخ مكانة البحر الأحمر كتجمع إقليمي داعم لتنمية دوله، وقادر على مواجهة تحدياته، ومساهم في الاستقرار والازدهار العالمي.