كشفت صحيفة بوليتيكو الأمريكية أن موسكو دفعت بجيل جديد من المُسيّرات الهجومية المزودة بمحركات نفاثة عالية السرعة، أربكت منظومة الدفاع الجوي الأوكراني بالكامل، وأجبرت كييف على شن سباق تسليحي محموم لإيجاد رادع فعال قبل أن يشتد فصل الشتاء.
التطور الروسي يُغير قواعد الاشتباك
رصدت بوليتيكو تحولًا نوعيًا في الترسانة الجوية الروسية، إذ طورت موسكو مُسيّراتها من طراز "جيران" المستنسخة أصلًا عن الشاهد الإيراني، لتقفز من النموذج جيران2 الذي كان يحلق بسرعة 200 كيلومتر في الساعة إلى النموذج الأحدث جيران5 القادر على اختراق السماء بسرعة تبلغ 600 كيلومتر في الساعة، أي ثلاثة أضعاف سلفه.
ولا يقتصر التطور على السرعة وحدها، إذ إن المُسيّرات الجديدة ترتفع إلى مستويات تحليق أعلى وتتمتع ببصمة حرارية أدنى، مما يُضيق هامش رصدها واستهدافها.
وبحسب الاستخبارات العسكرية الأوكرانية التي نقلت عنها الصحيفة، تضخ روسيا نحو 3000 مُسيّرة من هذا الطراز شهريًا، فيما غيرت موسكو أساليب توظيفها لتطال قطارات الركاب والمستودعات والطرق اللوجستية والمناطق السكنية ومراكز التسوق، في ما وصفه الرئيس الأوكراني زيلينسكي بأنه إرهاب ممنهج "ليلًا ونهارًا".
معضلة الكلفة
يكشف وزير الدفاع الأوكراني يفهيني خمارا، في تصريحات نقلتها بوليتيكو على هامش اجتماع حلفاء كييف، أن الأزمة الحقيقية ليست تقنية فحسب، بل اقتصادية في جوهرها، إذ إن معظم المُسيّرات الاعتراضية الأوكرانية لا تتجاوز سرعتها 300 كيلومتر في الساعة، أي إنها عاجزة عن اللحاق بالجيران5، مما يضطر الجيش الأوكراني إلى توظيف طائراته الحربية وصواريخه الباهظة لاصطياد مُسيّرات تُكلف جزءًا ضئيلًا من ثمن الذخيرة المستخدمة ضدها.
ويُحذر أندريه زاهورودنيوك، وزير الدفاع الأسبق ورئيس مركز إستراتيجيات الدفاع، في تصريح لبوليتيكو، من أن هذا الاستنزاف يُفرغ المخزون الدفاعي المخصص أصلًا لمواجهة الصواريخ الباليستية والكروز الأشد تدميرًا، مؤكدًا أن أوكرانيا كانت تتقن اعتراض الجيل القديم حين باغتتها موسكو بهذه القفزة التكنولوجية.
شركات تتسابق نحو الحل
في مواجهة هذا التحدي، تنتشر أكثر من 60 شركة دفاعية أوكرانية في سباق محموم نحو إنتاج معترضات فعالة، وفق ما أكده خمارا الذي أشار إلى أن بعض هذه المنظومات دخلت فعلًا مرحلة الاختبار القتالي.
وتسير أوكرانيا في أربعة مسارات تقنية متوازية بحسب منصة Brave1 الحكومية للابتكار الدفاعي، بداية من المُسيّرات النفاثة، والمعترضات الكهربائية ذات المحرك النفاث، وصولًا إلى الطائرات الرباعية عالية السرعة القادرة على بلوغ 550 كيلومترًا في الساعة لاعتراض طرازات جيران3، فضلًا عن تقنيات الإسقاط في المواجهة المباشرة.
غير أن أوليكسي بابينكو، الرئيس التنفيذي لشركة Vyriy Industries، يُقر في تصريح لبوليتيكو بأن الجيران5 يستلزم منظومة مختلفة كليًا تعتمد على دفع نفاث أو صاروخي، لافتًا إلى أن شركته وشريكتها Noctis قدمتا في يونيو معترضًا عالي السرعة أبدى نتائج واعدة في التجارب الميدانية.
ويُقر بابينكو بصراحة بأن الصناعة الدفاعية لم تكن مستعدة لهذه القفزة، قائلًا إن المشكلة تتشعب بين شُح المهندسين ومحدودية التمويل، وإن الثمن المرحلي سيكون استخدام وسائل أكثر كلفة لأسابيع قادمة، قبل أن تنضج الحلول وتدخل دور الإنتاج الموسع.
وعلى الرغم من صعوبة المرحلة، تُبدي Brave1 ثقة بالغزو بأن أوكرانيا ستتجاوز هذا التحدي، مُلمحةً إلى أن مفاجآت غير سارة تنتظر الجانب الروسي في الأفق القريب.