تمتعت الولايات المتحدة لعقود بميزة جغرافية نادرة، إذ تحيط بها المحيطات من الشرق والغرب، ويجاورها من الشمال والجنوب بلدان تربطها بهما علاقات ودية نسبيًا، ومع ترسانة نووية وقوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية هائلة، ترسّخ لدى الأمريكيين شعور بأن بلادهم بعيدة عن أخطار الخارج، لكن هذا الشعور تعرض للاهتزاز مع تغير طبيعة التهديدات.
دفاعات قديمة
وحسب تقرير لمجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، فقد زاد شعور الأمريكيين بالخطر مع تطوير الصين وروسيا وكوريا الشمالية قدراتها التقليدية والنووية لضرب الأراضي الأمريكية، إضافة إلى إتاحة الطائرات المُسيّرة والهجمات السيبرانية والذكاء الاصطناعي استهداف البنية التحتية الحيوية من دون الحاجة إلى حرب تقليدية.
وكشفت التحولات الجدية عن ثغرات واسعة في الدفاعات الأمريكية، من ضعف أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي إلى تعقيد القوانين المنظمة للتعامل مع الطائرات المُسيّرة، فضلًا عن تعرض قطاعات الطاقة والمياه والمال والرعاية الصحية لهجمات إلكترونية متقدمة، ما يفرض إعادة النظر في منظومة الأمن الداخلي التي تشكّلت بعد هجمات 11 سبتمبر.
صُمِّمَت الإجراءات الأمنية التي أقرّتها الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر، أساسًا لمواجهة الإرهاب، ووسّع قانون باتريوت الأمريكي والتشريعات اللاحقة قدرة الوكالات على جمع المعلومات الاستخباراتية، كما أُنشئت أو عُززت مؤسسات مثل وزارة الأمن الداخلي ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية والمركز الوطني لمكافحة الإرهاب.
لكن طبيعة الخطر تغيرت، فالصين وروسيا وكوريا الشمالية تمتلك صواريخ عابرة للقارات قادرة على ضرب الأراضي الأمريكية، وأجرت هذه الدول تجارب وتدريبات لإثبات قدرتها على استخدامها، بينما كشفت الحروب في إيران وأوكرانيا حدود الاعتماد على الردع النووي في مواجهة الهجمات التقليدية.
قدرات الجيش الصيني
تواجه الولايات المتحدة نقصًا في أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية اللازمة لحماية أراضيها من الصواريخ الباليستية، وأدت الحرب مع إيران إلى تقليص المخزون العالمي للجيش الأمريكي من صواريخ ثاد الاعتراضية بنسبة تصل إلى 80%، ومن صواريخ باتريوت الاعتراضية بنسبة تصل إلى 50%.
ولا يزال الدفاع ضد صواريخ كروز ضعيفًا أيضًا، إذ تحلق هذه الصواريخ على ارتفاعات منخفضة لتجنب الرادارات التقليدية، وتستفيد من الجبال والوديان والتلال للاختباء من أجهزة الاستشعار الأرضية، في أسلوب يُعرف باسم "التمويه الأرضي".
وطورت الصين بصورة خاصة قدراتها على ضرب الولايات المتحدة، وامتد هذا التهديد إلى الفضاء، ويمكن لنظام القصف المداري الجزئي حمل رأس حربي تفوق سرعته سرعة الصوت في مدار أرضي منخفض، ما يسمح له بالاقتراب من الأراضي الأمريكية من اتجاه غير متوقع وتجاوز الرادارات التقليدية للإنذار المبكر وشبكات الدفاع الصاروخي.
ويبحث الجيش الصيني أيضًا قدرات فضائية أخرى، بينها أسلحة الضرب المدارية التي يمكنها نظريًا استهداف الأراضي الأمريكية بإسقاط قذائف من الفضاء، وفي حال وقوع هجوم تقليدي، ستكون أنظمة الدفاع الأمريكية نفسها معرضة للهجوم، ما يزيد صعوبة حماية الأراضي والمنشآت الحيوية.
ضربات رخيصة
لا تقتصر التهديدات على الصواريخ، إذ تستخدم دول وجهات غير حكومية التخريب المادي والتضليل الإعلامي والهجمات السيبرانية لإضعاف خصومها دون تجاوز عتبة الحرب التقليدية، وتمنح التقنيات الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، هذه الأساليب قدرات أكبر وتأثيرًا أوسع.
وتبرز الطائرات المُسيّرة باعتبارها المثال الأوضح، فقد أصبحت أرخص وأسهل شراءً، مع مدى أطول وحمولات أكبر وقدرة محسنة على مقاومة الحرب الإلكترونية، ويمكن للخصوم استخدام الذكاء الاصطناعي لتنسيق أسراب منها وإغراق الدفاعات.
ويُنتَج ما يصل إلى سبعة ملايين طائرة مُسيّرة مسلحة سنويًا في روسيا، بينما تشير بعض التقديرات إلى قدرة الصين على إنتاج مليار طائرة مُسيّرة سنويًا، وتظهر هذه الأرقام حجم السباق الدائر بين الخصوم والحلفاء لتطوير هذه التكنولوجيا وزيادة إنتاجها واستخدامها.
أهداف مكشوفة
يمكن للخصوم إخفاء طائرات مُسيّرة مسلحة داخل شاحنات معدلة أو حاويات شحن أو شاحنات ذات أسقف منزلقة، ووضعها قرب المطارات العسكرية والقواعد البحرية، ويمكن برمجتها للإطلاق في وقت واحد عبر شبكات الهاتف المحمول التجارية، متجاوزة دفاعات جوية محلية وإجراءات التشويش والرادارات الإستراتيجية للإنذار المبكر.
وتزايدت خلال السنوات الماضية عمليات التسلل غير المصرح بها بالطائرات المُسيّرة إلى منشآت عسكرية ومحطات نووية وبنى تحتية حيوية، إضافة إلى أماكن الحفلات الموسيقية والملاعب وشبكات النقل والموانئ.
حرب سيبرانية
كانت البنية التحتية الأمريكية معرضة للهجمات السيبرانية حتى قبل ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ففي عام 2021، تسللت هجمات "فولت تايفون" الصينية إلى شبكات الكهرباء ومحطات معالجة المياه وأنظمة الاتصالات ومراكز النقل في الولايات المتحدة، وزُرعت برمجيات خبيثة يمكن استخدامها لتعطيل هذه الأنظمة خلال أزمة أمريكية صينية.
ومن شأن عملية مدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تحول هذا النوع من الهجمات من حملة بطيئة تعتمد على البشر وتمتد لشهور أو سنوات، إلى هجوم شبه فوري قادر على التكيف مع الظروف واستهداف مواقع متعددة في وقت واحد، بما يرفع حجم الأضرار المحتملة بصورة كبيرة.
ويبرز كذلك خطر الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية ذات المسار الصعودي المباشر، وهي صواريخ تطلق من الأرض أو البحر أو الجو إلى الفضاء لتدمير قمر صناعي في مداره. وتطور الصين وروسيا أيضًا أسلحة طاقة موجهة وأنظمة حرب إلكترونية تستهدف الأقمار الصناعية الأمريكية.
وقد تؤدي هذه الهجمات إلى تعطيل نظام تحديد المواقع العالمي وأنظمة الملاحة، وإرباك الرحلات الجوية التجارية وشبكات الخدمات اللوجستية التي تعتمد على الأقمار الصناعية لتتبع الشحن. ونتيجة لذلك، يمكن لهجوم فضائي أن يعطل جوانب أساسية من الحياة اليومية داخل الولايات المتحدة، ولو لفترة مؤقتة.