لا يزال الغموض يكتنف مصير المؤرخ الروسي الإسرائيلي "أرتيوم كيربيتشينوك"، وسط تقارير روسية تتهم إسرائيل بنصب فخ له واعتقاله في مطار بن جوريون بعد وصوله قادمًا من أرمينيا في الثاني من أغسطس الماضي، فيما تحركت موسكو لاحقًا، عبر الأمم المتحدة، للمطالبة بكشف مكان احتجازه وظروفه.
فخ الاعتقال
يبلغ "كيربيتشينوك" 51 عامًا، وقد انتقل إلى إسرائيل في أوائل التسعينيات، ودرس في الجامعة العبرية وخدم في الجيش الإسرائيلي، قبل أن يعود لاحقًا إلى روسيا ويتحول إلى أحد أشد منتقدي إسرائيل والصهيونية، فيما أفادت تقارير روسية باعتقاله للاشتباه في التجسس لصالح إيران.
ونقل موقع "ميدوزا" الإخباري الروسي، خلال عطلة نهاية الأسبوع، خبر اعتقال كيربيتشينوك في مطار بن جوريون، مدعيًا أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي"الشاباك" هو الذي اعتقله، فيما ذكرت صحيفة "إزفستيا" أنه زار إيران عدة مرات رغم احتفاظه بالجنسية الإسرائيلية.
وحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن "كيربيتشينوك" تلقى دعوة إلى تل أبيب لإلقاء محاضرة في مؤتمر، قبل أن يُعتقل للاشتباه في تجسسه لصالح طهران، وتعتقد مجموعة من النشطاء، الذين شكّلوا حملة للمطالبة بالإفراج عنه، أن الدعوة كانت فخًا.
أحداث 7 أكتوبر
وُلد كيربيتشينوك في سانت بطرسبرج ثم انتقل إلى إسرائيل أوائل التسعينيات، ووصف نفسه بأنه ناشط سابق في منظمات يسارية داخل إسرائيل، ليعود مجددًا إلى روسيا في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، بعد سنوات قضاها في إسرائيل، حيث تلقى تعليمه الجامعي وخدم في الجيش الإسرائيلي.
واحتفظ كيربيتشينوك بالجنسية الإسرائيلية التي حصل عليها عند هجرته في أوائل التسعينيات، لكنه أصبح لاحقًا ناقدًا صريحًا للدولة اليهودية والصهيونية، وخلال مسيرته الأكاديمية، نشر سلسلة من الكتب التي هاجم فيها إسرائيل والصهيونية، ويرأس اليوم معهدًا بحثيًا متخصصًا في قضايا العالم العربي وآسيا الوسطى.
بعد أحداث 7 أكتوبر، برر كيربيتشينوك هجوم حركة حماس، وواصل انتقاد إسرائيل في كتاباته ومداخلاته العامة، وفي كتابه الصادر عام 2019 بعنوان "تاريخ إسرائيل الشعبي"، تبنى القول إن السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية تُشكِّل فصلًا عنصريًا، كما شكك في الأساس التاريخي والسياسي للوجود الإسرائيلي.
"إسرائيل.. الطريق إلى الكارثة"
بعد أحداث 7 أكتوبر، نشر كيربيتشينوك كتابه "إسرائيل - الطريق إلى الكارثة"، وذهب فيه إلى أن المجتمعات القريبة من حدود غزة لم تكن سوى "مستوطنات"، وأن الفلسطينيين "كانوا يعملون هناك في ظروف أشبه بالعبودية"، قبل أن يربط هجوم 7 أكتوبر بما اعتبره صراعًا بين العمال وأصحاب الامتيازات.
وكتب "كيربيتشينوك" أن الفلسطينيين أُتيحت لهم فرصة "لتصفية حساباتهم مع أصحاب العمل السابقين"، معتبرًا أن ما حدث يُجسِّد حبكة رواية "آلة الزمن" للكاتب إتش جي ويلز، عندما استولى العمال الذين يعيشون تحت الأرض على أصحاب الامتيازات وألقوا بهم في الهاوية، وفق تقرير "يديعوت أحرونوت".
كما هاجم الرواية الإسرائيلية لهجوم حماس، مدعيًا أن الدبلوماسية العامة ركزت على الجانب الإنساني للهجوم لتقديم إسرائيل باعتبارها ضحية، وقال إن الصحافة الإسرائيلية اضطرت للاعتراف بأن مدنيين إسرائيليين كانوا ضحايا نيران عشوائية من الدبابات والمروحيات الإسرائيلية.
وأضاف أن فشل الدعاية تفاقم بسبب أخبار كاذبة، قال إنها دُحِضَت بسهولة، بينها الادعاء بمقتل نحو 40 طفلًا بقطع رؤوسهم أو حرق طفل داخل فرن ميكروويف، وفي فعالية أُقيمت بمناسبة العرض الأول لكتابه، قال إن قيام إسرائيل "مأساة ليس فقط للشعب الفلسطيني، بل للشعب اليهودي أيضًا".
حديقة الذكريات المريرة
وجّه كيربيتشينوك جزءًا من انتقاداته إلى المهاجرين من الاتحاد السوفيتي السابق الذين اختاروا، مثله، الانتقال إلى إسرائيل، لكنهم بقوا فيها، ووصفهم بأنهم "أناس من الدرجة الثانية والثالثة"، وقال إن نصف أطفالهم فقط يحصلون على شهادة الثانوية العامة.
وإلى جانب نشاطه الأكاديمي، حافظ كيربيتشينوك على حضور واضح في المشهد الإعلامي الروسي، إذ كان يكتب بانتظام مقالات لقناة "تي آر تي" التركية، التي كانت تنشر أيضًا باللغة الروسية.
وخلال إحدى زياراته إلى إيران، ظهر كيربيتشينوك في فيلم وثائقي عن قصة حياته حمل عنوان "حديقة الذكريات المريرة"، وتناول الفيلم خيبة أمله بعد الهجرة إلى إسرائيل، كما تحدث فيه عن نفسه وعرض صورًا من فترة خدمته في الجيش الإسرائيلي.
وفي إحدى زياراته إلى روسيا، تحدث كيربيتشينوك علنًا عن الصراع مع إسرائيل، قائلًا إن كثيرين يرغبون في الهجرة منها، وإنه يجب إقامة حوار معهم.