يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخوض واحدة من أكثر معاركه السياسية أهمية خارج الانتخابات الرئاسية، بعدما قرر وضع ثقله السياسي والشعبي والمالي في قلب حملة الحزب الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل.
ويتعامل ترامب مع الانتخابات باعتبارها اختبارًا مباشرًا لقدرة إدارته على الاحتفاظ بالدعم الشعبي، وضمان استمرار السيطرة الجمهورية على مجلسي النواب والشيوخ، فيما يرى حلفاؤه أن مشاركة الرئيس بصورة مكثفة يمكن أن تمنح مرشحي الحزب دفعة انتخابية يحتاجون إليها، خصوصًا في ظل ضعف الإقبال التقليدي على انتخابات التجديد النصفي مقارنة بالانتخابات الرئاسية.
ترامب في واجهة الحملة
وفي إطار هذا التوجه، يستعد الحزب الجمهوري لعقد مؤتمر انتخابي في مدينة دالاس بولاية تكساس، الأربعاء والخميس المقبلين، بدفع مباشر من ترامب، الذي من المقرر أن يلقي خطابًا في كلتا ليلتي المؤتمر.
ولا يكتفي الرئيس بالحضور والخطابات، بل يسعى إلى جعل صورته وإنجازاته محورًا رئيسيًا للرسائل الانتخابية للحزب، من خلال إعلانات تلفزيونية جديدة تدعم مرشحي الجمهوريين وتدافع عن سياساته.
ويحمل أحد الإعلانين عنوان "الرجل الأقوى"، فيما يركّز الآخر على ملف الضرائب، في محاولة لربط المرشحين الجمهوريين بأجندة ترامب الاقتصادية والسياسية وإقناع الناخبين بأن استمرار الأغلبية الجمهورية يمثل امتدادًا لسياسات الإدارة الحالية.
ويرى ترامب أن انتخابات التجديد النصفي ستكون، في نهاية المطاف، تقييمًا لأدائه في البيت الأبيض، ولذلك يفضل أن يخوضها باعتبارها معركة سياسية واحدة يقودها بنفسه، بدلًا من ترك كل مرشح يخوض سباقه بصورة منفصلة.
قوة المال في المعركة
ولا يعتمد ترامب على شعبيته وحدها، إذ يعتزم ضخ موارد مالية ضخمة في السباقات الانتخابية، مع تقديرات بوضع ما بين 400 و500 مليون دولار تحت تصرف الجهود الرامية إلى دعم المرشحين الجمهوريين.
ويمثل هذا التمويل أحد أهم عناصر نفوذ ترامب داخل الحزب، خصوصًا أن المرشحين يحتاجون إلى موارد كبيرة لخوض المنافسات الشرسة في الدوائر المتأرجحة، التي قد تحسم في النهاية شكل الأغلبية داخل الكونجرس.
كما تعهّد ترامب بالمشاركة في حملات انتخابية لنحو 35 سباقًا في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، بما يعكس رغبته في تحويل حضوره من مجرد دعم رمزي للمرشحين إلى حملة وطنية واسعة تحمل بصمته السياسية المباشرة.
معركة على الأغلبية
ويواجه الجمهوريون في انتخابات نوفمبر معركة للحفاظ على مواقعهم داخل مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما يجعل الاستعانة بترامب خيارًا جذابًا رغم المخاطر المرتبطة به.
فالناخبون الذين منحوا ترامب أصواتهم في الانتخابات الرئاسية يمثلون كتلة انتخابية مهمة للحزب، لكن المشكلة تكمن في أن جزءًا من هؤلاء الناخبين لا يشارك بالضرورة بالحماس نفسه في انتخابات التجديد النصفي.
ومن هنا يراهن الجمهوريون على قدرة الرئيس على إعادة تنشيط هذه القاعدة، وحثها على المشاركة، وتحويل الشعبية التي حصل عليها في الانتخابات الرئاسية إلى أصوات لصالح المرشحين الجمهوريين.
الاقتصاد يدخل على خط الانتخابات
لكن الرهان على ترامب يأتي في وقت تواجه فيه الإدارة ضغوطًا سياسية واقتصادية متزايدة، أبرزها ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، وهي ملفات يمكن أن تتحول إلى نقاط ضغط على المرشحين الجمهوريين في الدوائر المتأرجحة.
ويخشى بعض الاستراتيجيين أن يجد مرشحو الحزب أنفسهم مضطرين للدفاع عن سياسات الإدارة بدلًا من التركيز على القضايا المحلية التي تهم ناخبي دوائرهم.
وتزداد حساسية الملف الاقتصادي في ظل تداعيات الحرب مع إيران، التي ساهمت في ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد يمنح الديمقراطيين فرصة لربط ارتفاع تكاليف المعيشة بسياسات الإدارة الخارجية.
رهان لا يخلو من المخاطر
وبينما يرى أنصار ترامب أن وجوده في الحملة ضرورة لضمان مشاركة قاعدته الانتخابية، يخشى آخرون أن يتحول حضوره المكثف إلى سلاح ذي حدين، خصوصًا في المناطق التي يحتاج فيها المرشح الجمهوري إلى أصوات المستقلين والناخبين المترددين.
ويجد المرشحون أنفسهم بالتالي أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من قدرة ترامب على الحشد والتمويل من جهة، وتجنب تحويل السباق المحلي إلى استفتاء على الرئيس من جهة أخرى.
كما أن قرار بعض الجمهوريين عدم المشاركة في مؤتمر دالاس يكشف أن الحماس لاستراتيجية ترامب ليس متساويًا داخل الحزب، حتى مع إدراك الجميع لحجم نفوذه السياسي والمالي.
وفي النهاية، تبدو انتخابات التجديد النصفي بالنسبة إلى ترامب أكثر من مجرد معركة للحفاظ على أغلبية حزبه؛ إنها اختبار لمدى قدرته على تحويل نفوذه داخل الحزب إلى مكاسب انتخابية فعلية، وإثبات أن القاعدة التي حملته إلى البيت الأبيض قادرة أيضًا على حماية الأغلبية الجمهورية في الكونجرس.