كشفت مجلة بوليتيكو الأمريكية عن انقسام حاد بالحزب الجمهوري حول طريقة التعامل مع الرئيس دونالد ترامب في حملات انتخابات التجديد النصفي المقبلة، فبينما يُعلن ترامب رغبته الجامحة في الانخراط الميداني الكامل، ويؤكد، بحسب ما نقلته الصحيفة، أنه سيكون حاضرًا بقوة في الثلاثين يومًا الأخيرة قبل يوم الانتخابات، يجد كثير من مرشحيه أنفسهم أمام معادلة شبه مستحيلة، وهي كيفية المحافظة على قاعدة "ماجا" دون أن يدفعوا ثمن شعبيته المتراجعة.
الرفض الهادئ يتسع
ورصدت الصحيفة الأمريكية حالة من التردد الواسع في صفوف الجمهوريين في الدوائر المتأرجحة، إذ نقلت عن أربعة ناشطين جمهوريين مطلعين على المداولات الداخلية أن بعض المرشحين أبلغوا الفريق السياسي لترامب صراحةً بأنهم لا يريدونه أن يزورهم، حتى في دوائر فاز فيها بفارق يتجاوز عشر نقاط عام 2024.
و نقلت الصحيفة عن أحد كبار المشرفين على السباق الانتخابي المشهد بصورة مباشرة، قوله: "أخبرناهم بأنه لا يستطيع المجيء.. لن يكون مفيدًا هنا، ولا أظن أنهم سيُرسلونه دون موافقتنا، وإن فعلوا فلن نُرافقه في أي فعالية". وامتد هذا التحفظ إلى مؤتمر التجديد النصفي المزمع عقده في دالاس الأسبوع المقبل، حيث يحرص ترامب على إبرازه استعراضًا سياسيًا، في حين أعلن النائب توم باريت من ميشيجان صراحةً أنه لن يحضر، معللًا ذلك: "لا أستطيع التحكم فيما سيقوله الرئيس، لكنني أتحكم في أين أكون". ورغم ذلك، حرص باريت على حضور عشاء ترامب في البيت الأبيض، في إشارة إلى دقة المناورة التي يسلكها كثير من الجمهوريين بين الاحتضان والنأي.
رهان على حافة الهاوية
لا تقتصر المعادلة على حسابات الشعبية وحدها، إذ يحتضن الصندوق السوبر باك الخاص بترامب أكثر من 400 مليون دولار ينتظرها المرشحون بفارغ الصبر.
وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية التي رصدتها بوليتيكو: الابتعاد عن ترامب قد يُجفف منابع التمويل ويُغضب القاعدة الصلبة، فيما الاقتراب منه قد يُنفر الناخبين المترددين الذين باتت أصواتهم حاسمة في الدوائر الهشة.
وكما لخص أحد النواب الجمهوريين في دائرة تنافسية المشهدَ بمرارة صريحة لبوليتيكو: "قيل لنا إننا خاسرون إن ذكرناه كثيرًا، وخاسرون أيضًا إن أغضبناه.. هذه هي المشكلة". وزاد على ذلك أحد المستشارين الجمهوريين العاملين على سباقات ولائية متعددة بالقول إنه لن يُقدم على استقدام ترامب إذا كانت أرقام شعبيته ستضر بحظوظ مرشحيه، مقترحًا توظيفه عبر المنصات الرقمية والبريدية بدلًا من التجمعات المباشرة.
المتحمسون لترامب
في المقابل، لا تخلو الصورة من أصوات جمهورية ترى في ترامب رصيدًا لا يُستغنى عنه، إذ إن النائب روب بريسناهان من بنسلفانيا، الذي يدافع عن مقعده في دائرة فاز فيها ترامب بتسع نقاط، أكد لبوليتيكو استعداده التام لاستقبال الرئيس، قائلًا: "في كل مرة نستطيع التعاون مع الإدارة لخدمة سكان شمال شرق بنسلفانيا، نكون سعداء بذلك". وإن أشار إلى وجود نقاط خلاف، كملف مراكز البيانات.
أما النائبة آنا بولينا لونا من فلوريدا، التي التقت بترامب في عشاء البيت الأبيض، فوصفت معنوياته بأنها "عالية"، مشيرةً بثقة إلى الثقل المالي الهائل لـ"ماجا".
ومن زاوية مغايرة، يتبنى النائب مايك لولر من نيويورك، أحد ثلاثة نواب جمهوريين يمثلون دوائر فازت فيها كامالا هاريس، نهجًا ذكيًا، إذ يوظف تعليق ترامب عليه بأنه "مصدر إزعاج" في إعلانات تُبرز استقلاليته وطابعه الثنائي، محولًا ما بدا نقدًا إلى ورقة انتخابية رابحة.
الحزب يُحذر
على الرغم من كل هذا التردد، تُصعد قيادة الحزب من تحذيراتها، إذ إن اللجنة الوطنية الجمهورية تُؤكد، على لسان المتحدثة الصحفية ناتالي بالداساري، أن ترامب "أقوى محرك للتصويت لدى الناخبين المترددين"، محذرةً من أن أي ابتعاد عنه قد يُخسر الحزب ما بين 15 و20 بالمئة من قاعدته الجوهرية.
وفي السياق ذاته، أعاد الحزب الجمهوري في الكونجرس تسمية قائمة استقطاب مرشحيه من "الأسلحة الشابة" إلى "أغلبية ماجا"، ولم يُضَف أي مرشح إلى القائمة دون الحصول مسبقًا على تأييد ترامب.
أما رئيس لجنة الكونجرس الجمهورية ريتشارد هدسون، فنفى وجود أي مشكلة حقيقية، مؤكدًا أن استطلاعاتهم الداخلية تُظهر أن ترامب "رصيد إيجابي في جميع الدوائر"، مشجعًا إياه على مزيد من الحضور الميداني.
وخلاصة ما يراه المتشككون في جدوى الابتعاد أن ترامب بات متجذرًا في هوية الحزب الجمهوري لدرجة يستحيل معها الفكاك، كما نقلت بوليتيكو عن أحد المستشارين: "كل من يحاول النأي بنفسه بعد أن احتضنه في الانتخابات التمهيدية، لن يُفلح.. كل ما سيفعله هو إغضاب محبي ماغا الذين نحتاجهم. ترامب بات جزءًا من كل شيء".