لم تكد تهدأ عواصف الخلاف داخل وزارة الحرب الأمريكية حتى فجَّر وزير الجيش دان دريسكول مفاجأة جديدة، بتقديمه استقالته إلى الرئيس دونالد ترامب الاثنين الماضي، في رسالة حملت انتقادًا صريحًا لوزير الحرب بيت هيجسيث.
وفي هذا الصدد، كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أن الاستقالة كانت نتيجة حتمية لأشهر من الاحتقان، مع تفاقم الأزمة في ظل مواجهة عسكرية مستمرة مع إيران تستنزف موارد الجيش وذخائره.
الراية البيضاء
نقلت "فايننشال تايمز" عن مصادر مطلعة على تفكير دريسكول أنه حاول مرارًا وبطرق شتى إقناع هيجسيث بالاستماع إلى الحقائق والمنطق، غير أن "العداء الشخصي" الذي يُكنُّه وزير الحرب له جعل كل تلك المحاولات تصطدم بجدار صلب.
وتمحورت جذور الأزمة حول ثلاثة ملفات متشابكة، وهي التحول التكنولوجي للجيش، والتعيينات القيادية العليا، وتوترات شخصية متجذرة بين الرجلين لم تجد طريقها إلى الحل.
بينما بلغت الأمور ذروتها حين أقال هيجسيث في أبريل رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، في خطوة اعتبرها دريسكول، الصديق المقرب من نائب الرئيس جي دي فانس، تجاوزًا سافرًا أفقد الجيش قيادة راسخة.
ولم يقف الأمر عند ذلك، إذ كان دريسكول يسعى إلى تكليف كتيبة مشاة بدمج الطائرات المُسيَّرة في عملياتها ضمن رؤية تحديثية طموحة، إلا أن هيجسيث أصدر أمرًا بحل هذه المبادرة، فيما وصفه المقربون من الوزير المستقيل بمحاولة ممنهجة لـ"تعطيل مساعي التحديث لدوافع شخصية".
وبينما كان دريسكول يرى في هيجسيث رجلًا يلحق "ضررًا جيليًا" بأكبر أفرع القوات المسلحة الأمريكية، كانت المصادر الأمنية تصف الأخير بأنه "مريض بجنون العظمة والغيرة الشخصية"، ومنزعج حين يسرق الآخرون الأضواء منه.
فراغ قيادي
تصف "فايننشال تايمز" المشهد الراهن بأنه الأشد خطورة على المؤسسة العسكرية الأمريكية منذ سنوات، فالجيش يضطلع بدور محوري لا غنى عنه في منظومة الدفاع الصاروخي عبر بطاريات "باتريوت" و"ثاد"، فيما تمتد تداعيات النزاع مع إيران لتُثقل كاهل عشرات الآلاف من الجنود المنتشرين في الشرق الأوسط.
ورأى كريستوفر ميجر، المسؤول الرفيع الأسبق في البنتاجون إبان إدارة بايدن، أن دريسكول كان "أحد القلائل من القادة المدنيين الذين يتمتعون بالتوازن والكفاءة وثقة الجنود"، مضيفًا أن خلو منصبي وزير الجيش ورئيس الأركان من أصحابهم الدائمين المعينين بموافقة مجلس الشيوخ يُمثل "ثغرة قيادية خطيرة لا يمكن تحمل تبعاتها في وقت الحرب".
وعيَّن هيجسيث الجنرال كريستوفر لانيف نائب رئيس الأركان قائدًا مؤقتًا للجيش، آملًا في تثبيته بصورة دائمة، غير أن هذا التعيين بالذات كان مثار خلاف جديد مع دريسكول، فيما تُلمح تقارير "فايننشال تايمز" إلى أن بعض جمهوريي مجلس الشيوخ لن يُسهلوا التصديق عليه احتجاجًا على أسلوب هيجسيث في إقالة جورج.
ثورة في الكونجرس
أثارت الاستقالة موجة استياء واسعة على الجانبين من قبة الكابيتول، إذ أعلن السيناتور الجمهوري مايك راوندز خيبة أمله الصريحة، مستنكرًا الفراغ القيادي بقوله: "أين القيادة؟ لقد فقدنا جنرالات بارزين كنا نحترمهم".
وحذر مساعد في الكونجرس، وفق ما نقلت "فايننشال تايمز"، من أن رحيل دريسكول سيُعقد مسعى البنتاجون لتمرير ميزانية بقيمة 1.5 تريليون دولار وعشرات المليارات من التمويل الإضافي لحرب إيران، مشيرًا إلى أن "الغضب لا يزال حيًا على قبة الكابيتول".
في المقابل، طالبت السيناتورة الديمقراطية جين شاهين، عضوة لجنة القوات المسلحة، بأن يكون هيجسيث نفسه من يُقدم استقالته جراء "سوء إدارته للعمليات العسكرية".
فيما وصفت زميلتها إليسا سلوتكين الوضع بأن الجيش بات يعيش "تطهيرًا لا نهاية له"، معتبرةً أن هيجسيث "لا يعترف إلا بسلطة واحدة هي ترامب، فمن يختلف معه أو يُضعف صورته يُطاح به".
ورغم هذا الضغط المتصاعد، واصل ترامب دفاعه عن وزير الحرب، مؤكدًا أنه "يؤدي عملًا رائعًا وكل همه الجيش".