صعّدت روسيا هجماتها على أوكرانيا باستهداف شبكة السكك الحديدية في البلاد، ما أسفر عن مقتل 6 من العاملين فيها خلال أحدث موجة من الضربات التي طالت العاصمة كييف ومحيطها، في مؤشر على دخول الحرب الأوكرانية مرحلة أكثر دموية تستهدف البنية التحتية الحيوية وشريان النقل الرئيسي في البلاد.
أفادت شركة السكك الحديدية الأوكرانية المملوكة للدولة بأن صاروخًا باليستيًا أصاب مستودعًا للقاطرات، فيما طالت الضربات منشآت أخرى تابعة للشبكة خلال قصف واسع للعاصمة ومنطقة كييف، بحسب ذا جارديان البريطانية، التي أشارت إلى مقتل 12 شخصًا على الأقل وإصابة نحو 12 آخرين، بينهم 3 أطفال.
ضربات متواصلة
تزامنت الهجمات مع تصعيد روسي مستمر ضد العاصمة الأوكرانية، بعدما نفذت موسكو غارات جوية متواصلة على كييف لستة أيام، في محاولة لتعطيل الحياة اليومية وزيادة الضغط على السكان، وجاءت الضربات قبل ساعات من بدء الأطفال الأوكرانيين عامًا دراسيًا جديدًا.
أعلنت شركة السكك الحديدية أن 58 من موظفيها قُتلوا وأُصيب 318 آخرون على الأقل منذ بدء الحرب، فيما نُقل أحد العاملين المصابين إلى المستشفى الثلاثاء، بينما واصلت فرق الإنقاذ التعامل مع الحرائق والأضرار التي خلفتها الهجمات.
شريان اقتصادي
مثّلت شبكة السكك الحديدية الأوكرانية، التي تمتد لمسافة نحو 24 ألف كيلومتر، ثالث أكبر شبكة للسكك الحديدية في أوروبا، وتحولت منذ اندلاع الحرب إلى شريان حيوي لنقل المدنيين والجنود والبضائع، إذ تنقل نحو 4 ملايين شخص وما يُقدَّر بنحو 120 ألف حيوان أليف.
أوضح سيرهي ليشينكو، عضو مجلس الإشراف على شركة السكك الحديدية الأوكرانية، أن الشبكة تُمثِّل "العمود الفقري للاقتصاد الأوكراني"، مشيرًا إلى أنها تُعَد المُزوِّد اللوجستي الرئيسي للجيش والصناعة، وتنقل نحو 600 ألف شخص أسبوعيًا، بينما يعمل لديها نحو 170 ألف موظف، ما يجعلها أكبر شركة في أوكرانيا.
أشار ليشينكو إلى أن روسيا بدأت خلال العام الأول من الحرب باستهداف الجسور، قبل أن تنتقل إلى خطوط السكك الحديدية ومحطات الكهرباء الفرعية، بينما اضطرت أوكرانيا لاحقًا إلى الاعتماد بصورة أكبر على القاطرات التي تعمل بالديزل، لكن موسكو بدأت هذا العام تنفيذ "هجمات مباشرة على القاطرات المدنية".
خسائر متزايدة
كشفت البيانات الأوكرانية عن تعرض شبكة السكك الحديدية لأكثر من 1500 هجوم روسي منذ بداية العام الحالي، وهو رقم تجاوز إجمالي الهجمات التي استهدفتها خلال عام 2025 بأكمله، بينما تضررت 249 عربة و492 قاطرة.
تسببت الهجمات المتكررة في اضطراب حركة القطارات التي كانت معروفة بالالتزام بمواعيدها، إذ أصبحت التأخيرات تمتد أحيانًا إلى 12 أو 15 ساعة، فيما يضطر الركاب إلى مغادرة القطارات والاحتماء خلال إنذارات الغارات الجوية، حتى في ظروف الشتاء القاسية.
أوضحت الصحفية الأوكرانية تاتيانا زايتس، أنها اضطرت خلال إحدى الغارات إلى الاحتماء أسفل عربة بضائع لمدة ساعتين، بينما كانت الطائرات المُسيّرة تحلق فوق القطار، وكان بين الركاب أطفال عائدون من المستشفى، مؤكدة أن هذه الظروف جعلتها تخشى السفر بالقطار مجددًا حتى انتهاء الحرب.
ضغط على الاقتصاد
أصابت الهجمات الروسية شبكة النقل في وقت تواجه فيه أوكرانيا ضغوطًا اقتصادية متزايدة، إذ قال ليشينكو إن الضربات بدأت تؤثر في الاقتصاد وأدت إلى تباطؤ صادرات الحبوب من موانئ البحر الأسود التي تتعرض للهجمات.
طالب المسؤول الأوكراني الدول الغربية بتوفير مزيد من أنظمة الدفاع الجوي لحماية القطارات والمنشآت الحيوية من الصواريخ والطائرات المُسيّرة، محذرًا من أن استمرار الهجمات على مختلف أنحاء البلاد يعني أن شبكة السكك الحديدية ستظل هدفًا رئيسيًا.
شهدت الأيام الأخيرة إطلاق روسيا أكثر من 1500 طائرة مُسيّرة باتجاه أوكرانيا، بينها نحو 800 طائرة تعمل بمحركات نفاثة وتُعَد أكثر صعوبة في التصدي لها، بينما تغيُّر نمط الهجمات من موجات متقطعة إلى عمليات متواصلة، مع إطلاق طائرة مُسيّرة أو اثنتين كل ساعة في بعض الأحيان، ما أدى إلى تعطيل الحياة اليومية في كييف.
حافظت القطارات الأوكرانية حتى وقت قريب على معدلات مرتفعة من الالتزام بالمواعيد، إذ كان أكثر من 90% منها يصل في الوقت المحدد، كما شكَّلت وسيلة النقل الأساسية عبر بلد شاسع المساحة، واستُخدمت لإجلاء المدنيين ونقل الجرحى والجنود، فضلًا عن نقل مسؤولين وقادة أجانب إلى كييف.
تعرّض قطار في منطقة أوديسا، الأسبوع الماضي، لهجوم بطائرة مُسيّرة روسية بينما كان على متنه نحو 600 شخص، بينهم 15 طفلًا، ما أجبر الركاب على النزول وسط الانفجارات والحرائق، في واقعة عكست المخاطر المتزايدة التي تواجهها شبكة السكك الحديدية مع استمرار التصعيد الروسي.
واصلت شركة السكك الحديدية العمل رغم الخسائر البشرية والأضرار الواسعة، وقال رئيسها أولكسندر بيرتسوفسكي إن مقتل الموظفين الستة يُمثِّل "أمرًا مروعًا"، مؤكدًا أن الشركة على تواصل مع عائلات الضحايا وأن العاملين يقفون إلى جانبهم خلال هذه الفترة الصعبة.