تواجه الهند حسابات دقيقة بشأن موقفها من الحرب الأمريكية على إيران؛ في ظل استمرار علاقاتها مع طهران وحرصها في الوقت نفسه على الحفاظ على قنوات التواصل مع واشنطن، إذ دفعت التطورات العسكرية الأخيرة نيودلهي إلى التأكيد مجددًا على أهمية الانخراط الدبلوماسي مع إيران، بينما سعت طهران إلى الاستفادة من نفوذ الهند الدولي لكسر محاولات عزلها سياسيًا واقتصاديًا.
والتقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الاثنين، على هامش قمة منظمة شنجهاي للتعاون في العاصمة القرجيزية بيشكك، في أول لقاء مباشر بينهما منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في 28 فبراير، بعدما أجرى الزعيمان عدة اتصالات هاتفية خلال الأشهر الماضية، في الوقت نفسه جاءت المحادثات بينما هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب إيران "بشدة" ردًا على هجمات استهدفت قاعدة أمريكية في الأردن، بحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية.
رسائل إيرانية
استغل بزشكيان اللقاء لعرض رؤية طهران بشأن الحرب، مؤكدًا أن إيران تسعى إلى السلام، لكن الولايات المتحدة اختارت، بحسب روايته، طريق الحرب وانعدام الأمن وفرض الإرادة بالقوة، في الأثناء اتهم الرئيس الإيراني الجانب الأمريكي بعدم الوفاء بالتزاماته الواردة في مذكرة التفاهم التي وقعها مع ترامب في 17 يونيو، وهي تصريحات رأى محللون أنها منحت طهران فرصة لعرض موقفها أمام أحد أكثر القادة تأثيرًا في النظام الدولي.
ووصف العقيد المتقاعد من الجيش الهندي راجيف أجراوال، الذي يعمل مستشارًا بحثيًا أول في مؤسسة تشينتان للأبحاث، اللقاء بأنه "مهم للغاية" لسببين، أولهما أنه يمثل أول اجتماع مباشر بين مودي وبزشكيان منذ بداية الحرب، والثاني أن إيران تنظر إلى الهند باعتبارها صوتًا مؤثرًا على الساحة الدولية، ما يجعل الرسائل التي نقلها الرئيس الإيراني إلى رئيس الوزراء الهندي قابلة للوصول إلى جمهور دولي أوسع.
وطلب بزشكيان من مودي الاستفادة من علاقاته مع مختلف الأطراف للمساعدة في إعادة الأطراف المتحاربة من مسار الحرب وسفك الدماء إلى الحوار والتوصل إلى اتفاق، في الوقت نفسه دعا الرئيس الإيراني إلى تعزيز التعاون بين طهران ونيودلهي في مجالات متعددة رغم الضغوط والقيود المفروضة على إيران بهدف عرقلة علاقاتها مع الدول الأخرى.
موقف هندي
أكد مودي خلال اللقاء أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى تحقيق سلام واستقرار دائمين في المنطقة، كما بحث مع بزشكيان سبل تعزيز العلاقات بين الهند وإيران، في الأثناء شدد على ضرورة حماية حرية الملاحة والتجارة، مؤكدًا أن المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك السفن التجارية وأطقمها، يجب ألا تكون أهدافًا للهجمات تحت أي ظرف.
وأدانت الهند خلال الحرب استهداف إيران للسفن والمنشآت في منطقة الخليج، خصوصًا بعد مقتل بحار هندي في هجوم إيراني على سفينة قرب مضيق هرمز الشهر الماضي، في الوقت نفسه حافظت نيودلهي على دعوتها إلى وقف إطلاق النار وتجنب التصعيد، بعدما انتقدت في مارس ضربة أمريكية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 بحار إيراني على متن سفينة كانت قد أنهت تدريبات مشتركة مع البحرية الهندية.
وعكست هذه المواقف رغبة الهند في الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع طرفي الصراع، إذ ترفض نيودلهي الهجمات التي تهدد الملاحة والتجارة الدولية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن الحل العسكري لا يمكن أن يوفر استقرارًا دائمًا للمنطقة، إضافة إلى ذلك يمنح استمرار التواصل مع طهران الهند قدرة أكبر على لعب دور دبلوماسي في أزمة تمس أمن الطاقة والتجارة العالمية.
منصة آسيوية
استفادت إيران من انعقاد اللقاء داخل منظمة شنجهاي للتعاون لتأكيد قدرتها على التحرك ضمن أطر متعددة الأطراف خارج المنظومة الغربية، إذ تأسست المنظمة عام 2001 انطلاقًا من مجموعة شنجهاي الخماسية التي سبقتها بخمسة أعوام، وضمت في بدايتها الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى، قبل أن تنضم الهند وباكستان عام 2017، ثم إيران عام 2023 وبيلاروسيا عام 2024.
وضمت المنظمة كذلك منغوليا بصفة مراقب، إلى جانب 15 دولة شريكة في الحوار، من بينها مصر والسعودية والإمارات وقطر والبحرين وتركيا، في الأثناء تركز المنظمة على تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، إضافة إلى مكافحة الإرهاب، لكنها لا تُمثّل تحالفًا دفاعيًا جماعيًا على غرار حلف شمال الأطلسي "الناتو" أو منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا.
واعتبر أجراوال أن منظمة شنجهاي للتعاون توفر لإيران أفضل منصة متعددة الأطراف لعرض وجهة نظرها والحصول على دعم من دول خارج المنظومة الغربية، مشيرًا إلى أن القمة قد لا تقدم لطهران مساعدة ملموسة، لكن المشهد السياسي الناتج عنها قد يثير قلق واشنطن، خصوصًا إذا أخفقت محاولات الضغط الاقتصادي الأمريكية في تحقيق أهدافها؛ بسبب استمرار دعم عدد من دول المنظمة لإيران.
وحذر علي أحمدي، الزميل التنفيذي في مركز جنيف للسياسات الأمنية والزميل في معهد الشرق الأوسط بسويسرا، من المبالغة في تقدير قدرة منظمة شنجهاي على تقديم دعم أمني جماعي لإيران، موضحًا أنها ليست ولن تصبح "ناتو آسيويًا"، في الوقت نفسه أشار إلى أنها تظل إطارًا مهمًا للتنسيق في القضايا الاقتصادية والعسكرية، بما يسمح لإيران بالحفاظ على علاقات دولية تحد من عزلتها.
رهان دبلوماسي
عززت عضوية إيران في منظمة شنجهاي للتعاون قدرتها على الحفاظ على قنوات اقتصادية وسياسية مع دول آسيوية وإقليمية، في الوقت نفسه أصبحت هذه العلاقات أكثر أهمية بالنسبة إلى طهران مع اتجاهها إلى الاعتماد بصورة أكبر على طرق التجارة البرية في ظل الحصار البحري الأمريكي، وهو ما يزيد أهمية العلاقات مع الدول التي يمكن أن توفر بدائل للممرات الخاضعة للضغط الأمريكي.
وراهنت طهران، من خلال لقاء بزشكيان ومودي وقمة منظمة شنجهاي، على توظيف العلاقات مع القوى غير الغربية لتقليل آثار الضغوط الأمريكية، دون أن يعني ذلك حصولها بالضرورة على دعم عسكري أو اقتصادي مباشر، في الأثناء حافظت الهند على سياسة تقوم على التواصل مع جميع الأطراف مع تجنب الانخراط المباشر في الصراع.
وأظهرت التحركات الهندية أن نيودلهي تنظر إلى استمرار الحوار مع طهران باعتباره أداة لحماية مصالحها الإستراتيجية، خصوصًا في مجالات التجارة والطاقة وأمن الملاحة، إضافة إلى ذلك يسمح لها هذا النهج بالحفاظ على مساحة للمناورة في علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية من جهة، ومع إيران وروسيا والصين وشركائها الآسيويين من جهة أخرى.
ووضعت الحرب الأمريكية الإيرانية الهند أمام اختبار دبلوماسي متزايد، إذ تسعى طهران إلى الاستفادة من نفوذ مودي لكسر عزلتها الدولية، بينما تحاول نيودلهي منع اتساع الصراع وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، في الوقت نفسه يرجح أن تستمر الهند في الدفع باتجاه الحلول الدبلوماسية، مستفيدة من عضويتها في منظمة شنجهاي للتعاون ومن علاقاتها مع مختلف أطراف الأزمة، دون الانحياز بصورة كاملة إلى أي من طرفي الصراع.