اتسعت حالة الاستياء داخل الحزب الجمهوري من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسبب الحرب مع إيران، بعدما تزامن إعلان واشنطن تشديد الضغوط الاقتصادية على طهران مع تنفيذ أول ضربة أمريكية معروفة داخل إيران منذ أواخر يوليو، ما عزز الانطباع بأن البيت الأبيض يتحرك بين التصعيد العسكري والتهدئة الدبلوماسية دون إستراتيجية واضحة لإنهاء الصراع، بحسب موقع "بوليتيكو" الأمريكي.
وجاءت أحدث حلقات التصعيد، خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما استهدفت القوات الأمريكية منصات إطلاق صواريخ إيرانية في جزيرة لارك، قالت واشنطن إنها كانت تستعد لزرع ألغام بحرية في مضيق هرمز، قبل أن يهدد ترامب بتدمير جزيرة خرج، التي تُعَد مركزًا رئيسيًا لصادرات الطاقة الإيرانية.
تناقضات متكررة
تزامنت الضربة مع إعلان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، قبل أيام، بدء ما وصفه بـ"يوم الإنزال الاقتصادي" ضد إيران، عبر حملة عقوبات تهدف إلى خنق اقتصادها تدريجيًا وإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات، في إستراتيجية كان يفترض أن تقلل الحاجة إلى مزيد من التصعيد العسكري.
وأظهر الجمع بين التحركين العسكري والاقتصادي تناقضًا متزايدًا في سياسة إدارة ترامب، إذ يقول منتقدون إن البيت الأبيض يحاول في الوقت نفسه الضغط على طهران عسكريًا واقتصاديًا، وطرح التفاوض كخيار لإنهاء الحرب، بعد ستة أشهر من نزاع قال ترامب عند بدايته إنه لن يستمر سوى أسابيع قليلة.
وقال مسؤول أمني سابق في إدارة جورج دبليو بوش، إن الحرب بدأت دون خطة واضحة، واستمرت بالطريقة نفسها، مدفوعة بما وصفها بـ"سياسة اللحظة"، معتبرًا أن الانتقال المستمر بين القصف والتفاوض والتهديد بالتصعيد يعكس غياب إستراتيجية منضبطة.
غضب جمهوري
أثار النهج المتذبذب استياء معسكرين مختلفين داخل الحزب الجمهوري، إذ يشعر الجمهوريون الداعمون للحرب بأن ترامب لم يذهب بعيدًا بما يكفي لإجبار إيران على الاستسلام، بينما يرى آخرون أن استمرار العمليات العسكرية يفاقم كُلفة الصراع على الاقتصاد الأمريكي وأسعار الوقود، ويهدد فرص الحزب في انتخابات التجديد النصفي.
وقال مسؤول سابق في حملة ترامب إن كثيرًا من الجمهوريين الذين يؤيدون تحميل إيران المسؤولية أو تحييد تهديدها، يشعرون بالإحباط، مضيفًا أن الرئيس "لا يُرضي أحدًا".
ووصف أحد الإستراتيجيين الجمهوريين وضع ترامب بأنه أشبه بالبقاء في "منطقة الصداقة"، معتبرًا أن وجود معسكرين غاضبين من طريقة إدارة الحرب يُشكِّل مؤشرًا على أن الأمور لا تسير بصورة جيدة بالنسبة إلى البيت الأبيض.
ضغط انتخابي
زادت حساسية التطورات مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وسط ارتفاع كُلفة المعيشة التي كانت تُشكِّل مشكلة سياسية للجمهوريين حتى قبل الحرب.
وأصبح مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية في الظروف الطبيعية، نقطة اختناق رئيسية، بينما بلغ متوسط سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة نحو 4.08 دولار، واقتربت أسعار الديزل من مستويات قياسية، ما يضيف ضغوطًا على الأسر وقطاعات واسعة من الاقتصاد الأمريكي.
ورغم ذلك، يرى بعض حلفاء الإدارة أن ترامب يتبع سياسة محسوبة تهدف إلى إبقاء الضغط على إيران، مع السماح باستمرار قدر محدود من حركة التجارة عبر المضيق، في انتظار أن تؤتي حملة العقوبات الاقتصادية ثمارها وتدفع طهران إلى تقديم تنازلات.
وقال جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق الذي عمل في الشرق الأوسط خلال ثلاث إدارات، إن الضربات الأخيرة تأتي ضِمن سياسة "ضربة بضربة"، مؤكدًا أن أيًا من الطرفين لا يبدو راغبًا في العودة إلى حرب واسعة النطاق في الوقت الحالي.
مأزق ترامب
حاول ترامب من جهته التأكيد على أن إيران باتت دولة ضعيفة وفاقدة للقيادة، لكنه أبقى الباب مفتوحًا أمام التصعيد، قائلًا إن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة لن "تضربهم"، ما يعكس استمرار الغموض بشأن الخطوة المقبلة.
ويقول مقربون من البيت الأبيض إن الرئيس يدرك المخاطر السياسية للحرب، لكنه لم يتمكن حتى الآن من إيجاد طريقة تحفظ ماء الوجه لإنهاء الصراع، في حين تدرك طهران هذه المعضلة وتستفيد منها في إدارة المواجهة.
وأضافت مصادر أن هناك داخل الإدارة تيارًا يرى أن إيران لن تعود إلى المفاوضات بشأن اتفاق مقبول، إلا إذا وُضِعَت تحت ضغط يهدد قدرتها على الاستمرار، بينما يتزايد داخل البيت الأبيض شعور بأن الوقت قد حان للانتقال من الحرب إلى البحث عن مخرج.
مقاومة إيرانية
أظهرت طهران أنها ما زالت قادرة على فرض كلفة على واشنطن، رغم الأضرار التي لحقت بقدراتها العسكرية والاقتصادية، سواء من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو دفع الولايات المتحدة إلى الرد العسكري على تحركاتها.
ورفض رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف تصريحات بيسنت بشأن قدرة العقوبات على إجبار إيران على التنازل، في لهجة عكست استمرار التشدد داخل القيادة الإيرانية تجاه الضغوط الأمريكية.
كما اعترضت الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، على تهديدات واشنطن بفرض عقوبات على الشركات والدول التي تواصل التعامل مع طهران، مؤكدة أنها ستتخذ "كل ما يلزم" لحماية حقوقها ومصالحها، ومحذرة من أن الحرب الاقتصادية والضغط الأقصى لن يحلا الأزمة.
إستراتيجية بلا حسم
كشفت التطورات الأخيرة أن إدارة ترامب لا تزال عالقة بين خيارين متناقضين: مواصلة الضغط الاقتصادي أم العودة إلى الضربات العسكرية، في وقت لم تنجح فيه أي من الإستراتيجيتين حتى الآن في دفع إيران إلى اتفاق نهائي.
وبينما يأمل البيت الأبيض أن تؤدي العقوبات إلى خنق الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على التفاوض، تظهر الأحداث أن إيران لا تزال قادرة على التصعيد وإرباك حسابات واشنطن، خصوصًا في مضيق هرمز.
وأصبح السؤال بالنسبة إلى ترامب والحزب الجمهوري لا يتعلق فقط بكيفية إجبار إيران على تقديم تنازلات، وإنما بكيفية إنهاء حرب طال أمدها، وخفض أسعار الطاقة، وتجنب توسيع المواجهة، في وقت يخشى فيه الجمهوريون أن يتحول الصراع إلى عبء انتخابي على الحزب قبل توجُّه الناخبين الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع.