دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران شهرها السابع، بعدما توقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عند اندلاعها أن تستمر بين أربعة وخمسة أسابيع فقط، لكنها تحولت إلى صراع طويل ألحق خسائر بشرية وعسكرية واقتصادية بالولايات المتحدة، وامتد تأثيره إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية، فيما لا تزال واشنطن وطهران بعيدتين عن اتفاق ينهي القتال بشكل نهائي، بحسب شبكة "إيه بي سي نيوز" الأمريكية.
وأفادت الشبكة بأن الرئيس الأمريكي بدأ الحرب في 28 فبراير الماضي بهدف تدمير القدرات النووية الإيرانية وإزالة ما وصفه بتهديد وشيك للأمن الأمريكي، لكن ستة أشهر من الضربات المتبادلة أظهرت أن تحقيق أهداف الحرب أصبح أكثر تعقيدًا، بينما تحولت إعادة فتح مضيق هرمز وتقليص التداعيات الاقتصادية إلى جزء أساسي من مهمة واشنطن.
بداية الحرب
بدأت العمليات العسكرية عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة على إيران استهدفت قيادات عليا ومنشآت عسكرية ومنشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، فيما قال ترامب إن العملية تهدف إلى حماية الأمريكيين عبر القضاء على تهديدات النظام الإيراني ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي.
وسبق ذلك في يونيو 2025 تنفيذ الولايات المتحدة ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية تحت الأرض خلال عملية "مطرقة منتصف الليل"، بعدما أعلنت إدارة ترامب أن البرنامج النووي الإيراني "دُمر"، قبل أن تقر لاحقًا ببقاء يورانيوم مخصب داخل إيران يمكن استخدامه في صنع سلاح نووي.
وفي الأيام الأولى للحرب، وقع هجوم جوي دامٍ على مدرسة للبنات في جنوب إيران أدى إلى مقتل نحو 160 مدنيًا، بينهم 120 من الأطفال، فيما حمّلت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الهجوم من دون أن تعلن أي منهما مسؤوليتها عنه، ولا تزال التحقيقات الأمريكية بشأن الواقعة مستمرة.
مضيق هرمز
ردت إيران سريعًا باستهداف قواعد أمريكية في البحرين والكويت والأردن والعراق، مستخدمة الصواريخ والطائرات المسيّرة الهجومية، في هجمات قالت الشبكة إنها كانت من الأوسع التي تستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة منذ عقود.
لكن التحرك الإيراني الأكثر تأثيرًا تمثل في إغلاق حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز، الذي يمثل واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم، ما تسبب في اضطراب إمدادات النفط والغاز ، وأجبر واشنطن على التعامل مع التداعيات الاقتصادية للحرب على مستوى عالمي.
وتبدلت بذلك أولويات الإدارة الأمريكية، إذ انتقل التركيز تدريجيًا من الضربات العسكرية وحدها إلى محاولة إعادة فتح المضيق واحتواء تأثير الحرب على أسعار الطاقة والأسواق، بعدما أصبح الممر الملاحي محورًا رئيسيًا في الصراع.
كلفة أمريكية
أدت الحرب إلى خسائر بشرية ومادية متزايدة داخل الولايات المتحدة، إذ قُتل 18 عسكريًا أمريكيًا وأصيب أكثر من 750 آخرين، فيما أقام ترامب ثلاثة مراسم رسمية لتكريم قتلى القوات الأمريكية منذ بدء الحرب.
وتكبدت الموازنة الأمريكية أيضًا تكلفة مباشرة للحرب، إذ قدرت وزارة الدفاع الأمريكية قيمة العمليات بأكثر من 37.5 مليار دولار، بينما طلبت الوزارة من الكونجرس 67.1 مليار دولار إضافية للإنفاق خلال العام الجاري، وربطت جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة بتداعيات الحرب مع إيران.
وطلب البيت الأبيض في أبريل زيادة قياسية في الإنفاق الدفاعي إلى 1.5 تريليون دولار ضمن مشروع موازنة عام 2027، بما يمثل زيادة بنسبة 42% عن مستويات سابقة، وتشمل الخطة زيادة رواتب العسكريين وبناء مزيد من السفن وتسريع شراء 12 نوعًا من الذخائر التي تعتبرها الإدارة حيوية.
تداعيات المعيشة
امتدت آثار الحرب إلى الأمريكيين في حياتهم اليومية، بعدما ارتفعت أسعار النفط العالمية بنحو 25% منذ بدء القتال، فيما تجاوز متوسط سعر جالون البنزين 4 دولارات، أي بزيادة تقارب دولارًا واحدًا عن مستوياته قبل الحرب.
وقدرت أداة لتتبع تكاليف الطاقة في جامعة براون، أن متوسط ما دفعه الأمريكيون إضافيًا على الوقود منذ بداية الحرب اقترب من 700 دولار للفرد، ما زاد الضغط على الأسر في وقت تواجه فيه الأسواق ارتفاعًا في تكاليف النقل والطاقة.
لكن ترامب قلل من أهمية هذه الزيادة، وقال في مايو الماضي إن ارتفاع أسعار النفط يمثل ثمنًا صغيرًا مقابل منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مؤكدًا أن الوضع المالي للأمريكيين لم يكن عاملًا مؤثرًا في قراراته المتعلقة بإنهاء الحرب.
أزمة سياسية
أصبح الصراع أيضًا مشكلة سياسية للرئيس الأمريكي والحزب الجمهوري، إذ أظهرت استطلاعات الرأي تراجع الدعم الشعبي للحرب بصورة كبيرة.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز وإبسوس، في أواخر أغسطس أن 31% فقط من الأمريكيين يؤيدون الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران، مقارنة بـ37% في مارس، بينما تراجع التأييد داخل الحزب الجمهوري من 77% إلى 69%.
وفي المقابل، بلغت نسبة الرافضين للعمل العسكري الأمريكي 90% بين الديمقراطيين و67% بين المستقلين، فيما قال 63% من الأمريكيين إنهم لا يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الملف الإيراني، مقابل 25% فقط أيدوا أداءه.
وزادت هذه الأرقام من قلق الجمهوريين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، إذ قال رئيس مجلس النواب مايك جونسون إن إنهاء الحرب قبل الانتخابات سيكون أمرًا مفيدًا للحزب.
نهاية غامضة
تكرر خلال الأشهر الستة الماضية إعلان ترامب أن الحرب تقترب من نهايتها، قبل أن تنهار الاتفاقات وتستأنف العمليات العسكرية، بينما هدد الرئيس في سبع مناسبات على الأقل بتصعيد عسكري واسع، قبل أن يعود إلى التفاوض دون تحقيق اختراق نهائي.
وانتهت مهلة المفاوضات النووية دون اتفاق دائم، لتعود الإدارة الأمريكية إلى سياسة الضغط الاقتصادي والحصار البحري، في محاولة لإجبار طهران على تقديم تنازلات.
وقال ترامب إن واشنطن تتعامل مع الملف "بهدوء" في هذه المرحلة، فيما وصف وزير الخزانة سكوت بيسنت الحملة الاقتصادية الجديدة بأنها بداية "المرحلة الأخيرة" من الصراع.
وتواصلت في الوقت نفسه الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران عبر وسطاء، وأسفرت مئات الساعات من المفاوضات عن مذكرة تفاهم من 14 نقطة وقعت في يونيو، كان يفترض أن تمهد لاتفاق نووي شامل وإعادة الملاحة عبر مضيق هرمز، لكنها انهارت بعد أقل من شهر بسبب تبادل الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار.