المشهد يتكرر من جديد بعد عام، مع تغير في الجغرافيا، فمن لبنان إلى مصر، تتوحد الأوجاع حين تكون الفاجعة أُم تودع فلذة كبدها.
بالأمس القريب، كان لبنان على موعد مع مشهد ثقيل، اجتمعت فيه الدموع حول أم طالما كانت صوتًا للفرح والحب والحنين، وفي كنيسة رقاد السيدة في بكفيا، شمال شرق بيروت، حضرت فيروز لتودع ابنها زياد الرحباني، فاختلطت رهبة المكان بصدمة الرحيل، وتحولت الكنيسة إلى مساحة واحدة للحزن والصلاة.
تدفقت الجموع إلى الكنيسة، حتى ضاقت بهم مساحتها، فجلس كثيرون في باحتها، وعلى الأرصفة، واستند آخرون إلى الجدران، وكأن الجميع أراد أن يكون قريبًا من تلك اللحظة التي لا تتكرر.. لحظة وداع ابن أمام أمه.
وحين ظهرت فيروز، كان المشهد أشبه بلحظة استثنائية وسط جنازة موجعة، ناداها الحاضرون: "الله يطول بعمرك يا فيروز"، وتعالت التصفيقات، في خليط مؤلم بين فرحة رؤيتها بعد غياب طويل، والحزن على ابنها الذي غاب بلا عودة.
دخلت فيروز إلى الكنيسة بخطوات تحمل بخطوات ثقيلة، وضعت باقة من الزهور إلى جوار نعشه، وكتبت عليها كلمات تختصر علاقة كاملة: "إلى ابني حبيبي"، ثم جلست أمام الجثمان، ولم تعد فيروز التي يعرفها الجمهور على المسرح؛ لم تكن السيدة التي طالما وقفت أمام الناس بصوت ثابت، وإنما أم تواجه أقسى امتحان يمكن أن يمر به قلب أم.
كانت الدموع هذه المرة أبلغ من الأغنيات، والذكريات أقوى من الكلام، ولم تمر صورة فيروز وهي تودع ابنها مرورّا عابرًا على الجمهور، فسرعان ما اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بذكريات أغنياتها، واستعاد كثيرون ترنيمتها الشهيرة "أنا الأم الحزينة"، فيما وجد آخرون في كلمات "سألوني الناس" مرآة للحظة الفقد: "لأول مرة ما بنكون سوا".
كأن الجمهور، الذي عاش سنوات طويلة مع صوت فيروز، حاول أن يرد لها شيئا من الحب الذي منحته له طوال عمرها.
حضر نجوم من لبنان والوطن العربي لمواساة فيروز، من بينهم ماجدة الرومي، كارول عازار، مارسيل خليفة، هبة طوجي، جورج شلهوب، طارق تميم، ريتا حايك، كارلوس عازار، والمخرج والممثل محمد دايخ، لكن كل هؤلاء، مهما كان حضورهم، لم يكن بوسعهم أن يحملوا عن أم وجعها.
نجلاء فتحي تودع ابنتها الوحيدة
اليوم في القاهرة، ومن أمٍّ لبنانية ثكلى إلى أم مصرية مفجوعة، تتكرر الصورة بكل قسوتها تقف الأم أمام نعش ابنتها، ففي مسجد عمر بن عبد العزيز بمنطقة هليوبوليس، وقفت الفنانة المصرية نجلاء فتحي لتشييع ابنتها الوحيدة، ياسمين أبو النجا، التي رحلت تاركة خلفها طفلة صغيرة وأمًا لم تكن تستعد لأن تكون مراسم الوداع هي آخر ما يجمعها بابنتها.
لم تتمالك نجلاء فتحي دموعها، وظهرت متشحة بالسواد، ويكسو وجهها الحزن والذهول، وكأن عقلها لم يستوعب بعد أن ابنتها الوحيدة أصبحت ذكرى، وقالت الأم المفجوعة كلمات قليلة، لكنها كانت أثقل من أي رثاء: "بنت قلبي كانت زي الملاك".
كلمات تختصر علاقة أم بابنتها، وتختصر كذلك حجم الفراغ الذي يتركه الرحيل حين يكون الراحل هو الابنة الوحيدة.
وفي المشهد نفسه، كان والد ياسمين، الفنان المعتزل سيف أبو النجا، حاضرًا لتشييع ابنته، متكئًا على عكاز، لكنه نسي الألم أمام الوداع الأخير لفلذة كبده.