الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

"الحرب الخفية".. إيران تستعد لضرب العمق الأمريكي إلكترونيا

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

لم تتوقف إيران عند حدود الصواريخ والمسيرات في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل تمتد يدها نحو ساحة أشد غموضًا وأكثر إيلامًا، وهي الفضاء الإلكتروني، فمع اقتراب الحرب من عتبة الأشهر الستة، كشفت مجلة نيوزويك الأمريكية أن طهران تملك سلاحًا صامتًا قادرًا على زعزعة الأمن القومي الأمريكي وتعطيل الحياة اليومية لملايين المواطنين، في حين تتصاعد المخاوف لدى مسؤولين سابقين ومحللين استراتيجيين من أن الأسوأ لم يأتِ بعد.

الثغرات الناعمة

أشارت نيوزويك إلى تحذيرات جدية أطلقها فرانك سيلوفو، المسؤول السابق في وزارة الأمن الداخلي الأمريكي الذي أشرف على إعادة هيكلة منظومة الأمن القومي عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مفادها أن الحرب الإلكترونية "مفصلة على مقاس الاستراتيجية غير المتماثلة الإيرانية"، إذ لا تحتاج طهران إلى مضاهاة واشنطن طائرةً بطائرة أو سفينةً بسفينة، بل يكفيها البحث عن "الثغرات الناعمة في الاقتصاد والبنية التحتية الحيوية، وفرض تكاليف باهظة بعيدًا عن ميدان المعركة، وخلق حالة من القلق حول متى وأين ستسقط الضربة التالية".

ويُعزز هذا القلق تقارير ربطت إيران باختراقات أوقفت محطة طاقة في المملكة المتحدة وما يصل إلى ثلاثين منظومة مياه في الولايات المتحدة خلال يوليو الماضي وحده، ويشغل سيلوفو اليوم منصب مدير معهد مكراري للأمن الإلكتروني والبنية التحتية الحيوية بجامعة أوبورن.

الاستهدافات الإيرانية

كشفت نيوزويك أن إيران تجاوزت حدود الاختراق التقليدي نحو استهداف أعمق وأكثر استراتيجيةً، إذ صرح العميد حسين محيبي، المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، في مؤتمر أمني أخير بأن تدمير مركز بيانات أمازون في البحرين "لا يعني تدمير شركة أو منشأة، بل يعني تحطيم دماغ المعالج التشغيلي بأكمله"، في إشارة صريحة إلى أن البنية الرقمية باتت هدفًا عسكريًا بامتياز.

ووصف سيلوفو هذه الاستراتيجية بأنها "بالغة الدلالة"، مؤكدًا أنها تكشف إدراك طهران الكامل بأن مراكز البيانات "لم تعد مجرد منشآت تجارية، بل باتت العمود الفقري للاقتصادات وقدرات الذكاء الاصطناعي، وفي بعض الحالات للأمن القومي ذاته".

وحذر من سيناريو أشد وطأة يتمثل في دمج طهران بين ضرباتها الصاروخية والعمليات الإلكترونية المعززة بالذكاء الاصطناعي لتحقيق ضغط متزامن على الأهداف المادية والرقمية، مشيرًا إلى أن "اضطرابًا محدودًا يمكن تضخيمه عبر التضليل ومنصات التواصل الاجتماعي ليُحدث أثرًا يفوق حجمه الفعلي بكثير".

القوة الإلكترونية

لم تكن إيران قوة إلكترونية بالفطرة، بل صنعتها الجروح المتراكمة، إذ أفادت نيوزويك بأن جيسون هيلي، المؤسس المشارك لأول قيادة إلكترونية في تاريخ البيت الأبيض والباحث الحالي في جامعة كولومبيا، أكد أن طهران "راحت تبني قدراتها منذ أن وقعت ضحيةً لعملية ستاكسنت الأمريكية الإسرائيلية قبل خمسة عشر عامًا تقريبًا"، في إشارة إلى دودة الحاسوب الشهيرة التي اخترقت آلاف الأنظمة المرتبطة بمنشآت التخصيب النووي الإيرانية أواخر عام 2009 وألحقت بها أضرارًا جسيمة.

وقد تحولت تلك الكارثة إلى محرك لبناء قدرة هجومية وطنية متكاملة، ففي عام 2012 أصدر المرشد الأعلى علي خامنئي أوامره بتأسيس المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، ثم أنشأ الحرس الثوري عام 2015 قيادةً إلكترونية متخصصة، فيما تنشط في الميدان مجموعات وكيلة عديدة تنسب إليها واشنطن عمليات متكررة، أبرزها APT33 وAPT34 وAPT42 وCyberAv3ngers، التي يُعزى إليها اختراق شبكة مياه في نيويورك عام 2013 وأخرى في بنسلفانيا عام 2023، فضلًا عن مجموعة حنظلة التي تبنت مسح أنظمة شركة ستريكر الطبية الأمريكية في مارس الماضي، وفق ما رصدته نيوزويك.

استراتيجية مزدوجة

خلصت نيوزويك إلى أن إيران تُدار وفق مسارين متوازيين رصدتهما نيكيتا شاه، المسؤولة السابقة في جهاز الأمن القومي البريطاني والباحثة الحالية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، الأول استخباراتي يوظف الاختراق الإلكتروني لدعم الضربات العسكرية وتقييم أضرارها، والثاني معلوماتي يُضخم أثر الهجمات في وسائل الإعلام الدولية بهدف "استفزاز الجمهور الأمريكي وتقسيمه وإنهاكه، حتى يتحول الرأي العام ضد الحرب كأسلوب استنزاف".

وعلى صعيد موازٍ، نبه مايكل سولمير، أستاذ جامعة جورجتاون والمستشار السابق للبنتاجون لشؤون الأمن الإلكتروني، إلى أن السيناريو الأخطر ليس ضربةً إلكترونية واسعة كـ"بيرل هاربر رقمية"، بل موجة عمليات متتالية تستهدف منظومات المياه والطاقة والمصانع وخطوط الأنابيب، مشيرًا إلى أن قادة طهران "على الأرجح يشعرون بأن لديهم ما يخسرونه أقل من سواهم حين يُقدمون على عمليات إلكترونية مدمرة"، وهو ما يجعل الردع التقليدي أقل فاعليةً في مواجهتهم.

وحذر هيلي في ختام تصريحاته لنيوزويك من أن إيران قد "تنجح قريبًا في شن هجوم على البنية التحتية الأمريكية يُعطل الخدمات ويتسبب ربما في خسائر بشرية، مما قد يدفع أي رئيس إلى الرد عسكريًا".