لم يكن الممثل المصري نور الشريف مجرد نجم مر على الشاشة فحسب، بل كان حالة فنية وإنسانية متكاملة تركت أثرًا ممتدًا في وجدان الجمهور وصنّاع الفن، وبعد سنوات من رحيله، يعيد معرض عنه تفاصيل من عالمه الفني والإنساني، ويمنح الجمهور فرصة نادرة للاقتراب من الشخصيات والأعمال، التي صنعت جزءًا من ذاكرة السينما المصرية.
وتزامنًا مع الذكرى الحادية عشرة لرحيل الفنان نور الشريف، احتضنت القاهرة معرضًا بعنوان "حضرة المحترم نور الشريف"، في محاولة لاستعادة أبرز محطات مسيرته التي امتدت لنحو خمسة عقود، تنقل خلالها بين التمثيل والإخراج والإنتاج، وقدم خلالها عشرات الأعمال التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ الفن المصري، وشهد المعرض حضور عدد من السينمائيين والنقاد والمثقفين، من بينهم مدير التصوير سعيد شيمي، والكاتب عمر طاهر، والمخرج وائل فرج، والممثل كريم الحسيني، والناقد محمود عبدالشكور، كما حضرت من أسرة الفنان الراحل ابنته الكبرى مي.
المعرض، الذي نظمه المخرج محسن حديد، لم يكتفِ بعرض صور أرشيفية للفنان الراحل، وإنما قدم تجربة بصرية تستعيد أجزاء من عالمه الفني من خلال مجموعة متنوعة من المقتنيات، شملت أفيشات أفلامه، ومعدات تصوير وإكسسوارات وملابس استخدمت في أعماله، بجانب مئات المجلات والصحف التي تناولت مسيرته ونشرت حوارات وموضوعات عنه.
ومن بين أبرز المعروضات، سيارة الأجرة التي ظهرت في فيلم "سواق الأتوبيس"، والدراجة النارية التي ظهرت في فيلم "ضربة شمس"، في محاولة لربط الجمهور مباشرة بتفاصيل المشاهد التي ارتبطت بذاكرة السينما المصرية.
ومن أكثر أجنحة المعرض جذبًا للجمهور، جناح حمل عنوان "التقط صورتك التذكارية مع شخصيات لعبها نور الشريف"، إذ أتيح للزوار التقاط صور مع مجسمات لملابس عدد من أشهر الشخصيات التي جسدها الفنان الراحل.
وضم الجناح ملابس شخصية عبدالغفور البرعي من مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي"، وابن رشد من فيلم "المصير"، وجعفر الراوي من فيلم "قلب الليل"، إذ يضع الزائر وجهه مكان وجه الشخصية، ليحصل على صورة تذكارية تستعيد شكل الشخصية وملابسها، في تجربة تمزج بين الأرشيف والتفاعل المباشر مع الجمهور.
وفي نهاية المعرض، ينتقل الزائر إلى مساحة مختلفة تمامًا، غرفة مظلمة ينبعث منها ضوء أحمر، قبل أن يكتشف أنها "غرفة تحميض" تتدلى داخلها نيجاتيفات لصور ولقطات من أفلام نور الشريف.
وتحاكي الغرفة تلك التي ظهرت في فيلم "ضربة شمس"، الذي جسد فيه نور الشريف شخصية مصور صحفي، كما تحمل دلالة خاصة على ارتباط الفنان بالتصوير الفوتوغرافي، الذي كان إحدى هواياته الشخصية.
ولم يقتصر جمهور المعرض على محبي نور الشريف الذين عاصروا أعماله، إذ لفت سعد الدين إلى الحضور اللافت من الأجيال الجديدة، خاصة الجيل الشباب.
وقال إن هذا التفاعل كان من أكثر المفاجآت التي أسعدته، معتبرًا أن إقبال الشباب على المعرض يعكس وعيًا فنيًا واهتمامًا بإرث نور الشريف، رغم مرور سنوات على رحيله.
الفيلم الوثائقي
ولا يمثل معرض "حضرة المحترم نور الشريف" مشروعًا منفصلًا، وإنما يأتي ضمن مشروع أكبر يعمل عليه المخرج محسن حديد للاحتفاء بمسيرة الفنان الراحل، بالتوازي مع انتهائه من فيلم وثائقي يحمل الاسم نفسه.
وعن الدافع وراء المشروع، أوضح حديد أنه التقى نور الشريف مرة واحدة فقط خلال المهرجان القومي للسينما، عندما كان يحضر لاستلام جائزة عن مشروع تخرجه، إلا أن ذلك اللقاء القصير لم يكن السبب المباشر وراء الفيلم، وإنما جاءت الفكرة من إيمانه بالقيمة الفنية والإنسانية للفنان.
وأكد أن نور الشريف -من وجهة نظره- كان من أكثر فناني جيله تنوعًا وثقافة، ولذلك استحق أن يُعاد تسليط الضوء على أعماله وحياته.
ويركز الفيلم الوثائقي المرتقب على الجانب الإنساني من شخصية نور الشريف، وليس فقط على صورته كنجم سينمائي.
وقال حديد إن الفيلم يتناول "نور الشريف الإنسان الذي صنع نور الشريف النجم"، من خلال رصد الدأب والعمل والثقافة والاهتمام بالتفاصيل التي صنعت تجربته، معتبرًا أن الفنان الراحل يمثل نموذجًا في احترام العمل والذات والزملاء.
وخلال مسيرته الفنية، التي امتدت من منتصف القرن العشرين وحتى عام 2015، قدم نور الشريف نحو 180 فيلمًا، بجانب عشرات المسلسلات التلفزيونية والمسرحيات والأعمال الإذاعية، كما خاض تجربة الإنتاج السينمائي وأسهم في اكتشاف عدد من المواهب الجديدة في مجالي التمثيل والإخراج.