الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

اليسار يغازل الخضر.. ميلونشون يُعيد رسم خريطة السباق نحو الإليزيه

  • مشاركة :
post-title
المرشح الفرنسي اليساري الراديكالي جان-لوك ميلونشون

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، بات اليساري الراديكالي جان-لوك ميلونشون يُلقي بظلاله على المشهد السياسي بأكمله، فانطلاقته القوية في الحملة الانتخابية لم تُربك منافسيه وحسب، بل دفعت حزب الخضر إلى مواجهة سؤال وجودي: هل يخوضون السباق ويُشتتون أصوات اليسار، أم يُراهنون على ميلونشون ويدعمونه لضمان وجود اليسار في الجولة الثانية؟ وهو ما رصدته مجلة بوليتيكو في تقرير مفصل كشف عن كواليس تحولات جذرية في بنية اليسار الفرنسي.

تقارب علني وإشارات سياسية

لم تبقَ مساعي التقارب بين حركة "فرنسا الأبية" وحزب الخضر طي الكتمان طويلًا، إذ حضر المؤتمر السنوي لحزب ميلونشون ثمانية مسؤولين من الخضر، في مقدمتهم سيريال شاتلان، رئيسة الكتلة النيابية للخضر في الجمعية الوطنية، التي وقفت أمام الكاميرات مبتسمةً إلى جانب ميلونشون، وهي إشارة سياسية ثقيلة الدلالة من أعلى قيادي للحزب في البرلمان.

وصرحت شاتلان بأن "ثمة أرضية مشتركة" بين الحزبين، مضيفةً أن المشهد السياسي يقف اليوم عند "مفترقَي طرق في آنٍ واحد"، وهما صعود اليمين المتطرف من جهة، وموجات الحر والحرائق التي اجتاحت فرنسا صيفًا من جهة أخرى، مؤكدةً أن ما يعنيها هو "إيجاد الطريقة الأجدى لتقديم أفكار الخضر للرأي العام".

وجاء موقف مرشحة الخضر الرئاسية مارين تونديلييه ليُذكي هذه التكهنات، حين رفضت في مؤتمر صحفي أن توجه انتقادًا لميلونشون أو لمنافسه الوسطي رافاييل جلوكسمان، قائلةً إن "لا ميلونشون ولا جلوكسمان هما أعداء البيئة في فرنسا".

دخلت "تونديلييه" تاريخ السياسة الفرنسية كأول مرشحة رئاسية تُدير حملتها الانتخابية وهي حامل، بعد أن أكدت استمرارها في المنافسة حتى اللحظة الأخيرة رغم قرب موعد ولادتها. ورغم هذا الحدث الاستثنائي، إلا أن استطلاعات الرأي لا تزال تحصرها في نسب تصويت ضعيفة لا تؤهلها لبلوغ الجولة الثانية بشكل مستقل، ما يحول كتلتها التصويتية إلى ورقة ضغط حاسمة قد ترسم ملامح مستقبل "ميلونشون" السياسي.

وذهب ليا بالاج إل-ماريكي، مدير حملة تونديلييه، أبعد من ذلك حين أكد أمام الصحفيين أن "من يقولون إن أجنحة اليسار لا يمكن التوفيق بينها يكذبون"، وكان يقف وقتها داخل مؤتمر "فرنسا الأبية" ذاته.

إغراء الخضر

تكشف بوليتيكو أن لميلونشون ما يُغري به الخضر على الصعيد البيئي، فهو يُعرف نفسه منذ أكثر من عقد بـ"الاشتراكي البيئي"، ويرفع شعار "توحيد الأحمر بالأخضر"، بل إن مونيك بارب، الرئيسة السابقة للصندوق العالمي للطبيعة في فرنسا ووزيرة البيئة الحالية في الحكومة اليمينية-الوسطى، وصفته في مقابلة أخيرة بأنه المرشح الأكثر إدراجًا لقضايا المناخ في برنامجه الانتخابي.

غير أن ملف الاتحاد الأوروبي يظل حجر عثرة رئيسيًا، إذ يرى ميلونشون في الاتحاد آلةً لرأسمالية منفلتة على النمط الألماني، ويريد إعادة التفاوض على معاهداته ومخالفة قواعده التجارية إن لزم الأمر، في حين يؤمن الخضر بالفيدرالية الأوروبية ويعدونها ثابتًا لا يُساوَم عليه.

وتزداد الصورة تعقيدًا حين يتعلق الأمر بأوكرانيا، فميلونشون عارض انضمامها للاتحاد الأوروبي ودعا إلى "إعادة روسيا إلى الأسرة الأوروبية"، بينما يقف الخضر إلى جانب كييف بصورة قاطعة، فضلًا عن انتقاداتهم لما يصفونه بالتقارب المريب بين ميلونشون والصين.

ورغم ذلك كله، يُشير مسؤولون من الجانبين إلى إمكانية تجاوز هذه الخلافات، إذ أعلن بول فانييه، المسؤول الانتخابي في "فرنسا الأبية"، استعداد حزبه لـ"مناقشة" التعديلات البرنامجية ومنح الخضر حقائب وزارية في حكومة ميلونشون المرتقبة.

سبعة مرشحين وخلافات

على صعيد موازٍ، رصدت بوليتيكو تفاصيل أولى المناظرات الرئاسية التي جمعت سبعة مرشحين على ملاعب رولان جاروس بدعوة من اتحاد أصحاب العمل، وامتدت لأكثر من ساعة فوق موعدها المحدد.

وكشفت المناظرة عن هوة واسعة حول الملف الأوروبي، فبينما دعا المرشح الوسطي إدوار فيليب إلى إقناع الشركاء الأوروبيين بـ"التحدث بلغة القوة" أمام الصين والولايات المتحدة، ودعم اتحاد أسواق رأس المال، وصف خطة الإنفاق الأوروبية البالغة تريليوني يورو بأنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وإن انتقد اتفاقية ترنبري التجارية مع ترامب.

في المقابل، رأى جلوكسمان أن فرنسا أضاعت فرصة تاريخية لقيادة أوروبا نحو الاستقلالية الاستراتيجية.

أما ميلونشون فأكد أن الاتحاد الأوروبي لن يفرض ثقله على القوى الكبرى ما دام متمسكًا بأيديولوجيا التجارة الحرة، معلنًا نيته "العصيان" على قواعده الاقتصادية والتجارية إن وصل إلى الرئاسة.

وعلى صعيد الاقتصاد والديون، اتفق المرشحون جميعًا على أن الدين العام المتجاوز 3.5 تريليون يورو غير قابل للاستدامة، لكنهم تباينوا في الحلول تباينًا حادًا، فتعهدت مارين لوبان، المتصدرة للاستطلاعات، بتوفير 125 مليار يورو عبر خفض الإنفاق على الهجرة وتقليص الوكالات الحكومية وخفض مساهمة فرنسا في الاتحاد، إضافةً إلى تعديل دستوري لتقييد عجز الموازنة.

كما أكدت خفض سن التقاعد إلى 62 عامًا، متراجعةً عن إصلاح ماكرون المثير للجدل عام 2023.

وقدم ميلونشون من جهته مقترحًا لإعفاء الديون التي يحتفظ بها البنك المركزي الأوروبي، مؤكدًا أنه لا يمس ديون الدائنين الخاصين "على الأقل في هذه المرحلة"، في جملة أضحكت الحاضرين وفتحت تساؤلات جدية حول جدية برنامجه.

سباق مفتوح على كل الاحتمالات

خلصت بوليتيكو إلى أن المناظرة لم تُفرز فائزًا واضحًا في ظل تشتيت الصياغة وكثرة المتحدثين، فيما ظل الملعب مفتوحًا أمام جميع المتنافسين

والأكيد أن ميلونشون، الذي أخفق في الدورتين الماضيتين بفارق لم يتجاوز نقطتين مئويتين، يجد نفسه هذه المرة أمام فرصة حقيقية، شريطة أن يُحكم تحالفاته ويُهدئ خلافاته مع الخضر قبل أن يُحسم السباق.

وبحسب ما رصدته المجلة، فإن فرنسا تقف على أعتاب انتخابات قد تُعيد رسم ملامحها الداخلية وتموضعها الأوروبي معًا، في بلد لم يذق اليسار فيه طعم الجولة الثانية منذ دورتين متتاليتين.