أظهرت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات البلدية الفرنسية، أمس الأحد 15 مارس، تحولًا كبيرًا في توازنات القوى السياسية، إذ صعد حزب "التجمع الوطني" اليميني بزعامة مارين لوبان، وحركة "فرنسا الأبية" اليسارية بقيادة جان لوك ميلونشون، على حساب الأحزاب التقليدية ومعسكر الرئيس إيمانويل ماكرون، في اختبار يُنظر إليه كمؤشر على ملامح السباق الرئاسي المرتقب عام 2027.
حزب لوبان يقترب من السيطرة
سجّل "التجمع الوطني" تقدمًا لافتًا في مدن لم يكن يملك فيها نفوذًا قويًا سابقًا، ففي مارسيليا على ساحل المتوسط، تعادل مرشح الحزب فرانك أليسيو مع العمدة الحالي عند 35.4% من الأصوات، بعد حملة ركزت على مكافحة عصابات المخدرات واستعادة الأمن في الشوارع، وفق ما ذكرته صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
وقال أليسيو إن "مارسيليا على موعد مع التغيير، وما حدث اليوم ليس رقمًا انتخابيًا فحسب، بل بداية لعهد جديد".
يُذكر أن "التجمع الوطني" يحكم منذ عقدين مدينة بيربينيان القريبة من الحدود الإسبانية، وهي أكبر مدينة تحت سيطرته حتى الآن بـ121 ألف نسمة.
كما حقق الحزب نتائج قوية في مدن جنوبية أخرى مثل تولون وكاركاسون التي ستشهد جولة إعادة.
وفي نيس، المدينة السياحية الشهيرة، تقدَّم إيريك سيوتي، الذي انشق من حزب اليمين التقليدي "الجمهوريون" عام 2024 ليتحالف مع لوبان، متفوقًا على منافسه من نفس المعسكر السابق.
قال رئيس الحزب جوردان بارديلا إن "التغيير لن ينتظر الانتخابات الرئاسية عام 2027، بل سيبدأ من الجولة القادمة"، معلنًا استعداد حزبه للتحالف مع قوائم يمينية ومستقلة ترفض التعاون مع اليسار المتشدد أو الانضمام لمشروع ماكرون، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.
حيرة اليمين التقليدي
وقَعَ حزب "الجمهوريون"، وهو الحزب اليميني العريق في فرنسا، في موقف حرج بين رفض التقارب مع اليمين المتطرف وقلقه من تنامي اليسار المتشدد، إذ دعا رئيس الحزب برونو ريتايو، الناخبين لدعم مرشحي الحزب القادرين على "إيقاف اليسار والتجمع الوطني معًا"، لكنه في الوقت نفسه ركز هجومه على حركة "فرنسا الأبية" اليسارية، واصفًا إياها بـ"الخطر الأكبر"، وأعلن رفضه القاطع لأي تحالف معها، دون أن يُصدر موقفًا واضحًا بخصوص "التجمع الوطني"، حسب "لوموند".
اختراق يساري غير مسبوق
نجحت حركة "فرنسا الأبية" اليسارية، التي يقودها السياسي المخضرم جان لوك ميلونشون، المرشح المحتمل للرئاسة للمرة الرابعة، في تحقيق نتائج مفاجئة في مدن لم تكن معاقل تقليدية لليسار، ففي مدينة روبيه الشمالية، باتت الحركة قريبة من الفوز بمنصب العمدة، بينما حققت نتائج قوية في مدن تولوز وليل وليموج بفضل تعبئة الشباب الناخبين، وفق "ذا جارديان". وفي مارسيليا، وصلت مرشحة الحركة للجولة الثانية بنسبة 12%.
طالب منسق الحركة مانويل بومبار، بتشكيل "جبهة لمواجهة اليمين المتطرف" عبر توحيد القوائم اليسارية، رافضًا انسحاب مرشحي حركته لصالح الحزب الاشتراكي كما جرت العادة في الانتخابات السابقة، بحسب "لوموند".
من جهته، يحاول الحزب الاشتراكي، وهو حزب يسار الوسط الذي حكم فرنسا سابقًا، التمييز بين نهجه وبين "فرنسا الأبية" بعد سنوات من التحالفات بينهما، إذ دعا رافائيل جلوكسمان، أحد قادة اليسار المعتدل، إلى "الحفاظ على مبادئ اليسار الديمقراطي" ورفض "الانجرار وراء التشدد"، بينما قال الأمين العام للحزب الاشتراكي أوليفييه فور إنه "لن يكون هناك اتفاق وطني مع فرنسا الأبية"، لكنه ترك الباب مفتوحًا أمام تفاهمات محلية في بعض المدن.
سباق ساخ بالعاصمة
في باريس، التي يحكمها اليسار منذ 25 عامًا، تقدَّم إيمانويل جريجوار، مرشح تحالف يساري يضم الاشتراكيين وحزب الخضر، على وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي من اليمين، وتأهلت للجولة الثانية أيضًا صوفيا شيكيرو، مرشحة "فرنسا الأبية"، التي أعلنت استعدادها للتحالف لمنع اليمين من السيطرة على العاصمة، وفق "ذا جارديان".
وفي مدينة ليون، ثالث أكبر المدن الفرنسية، حافظ العمدة الحالي من حزب الخضر، جريجوري دوسيه، على تقدمه رغم منافسة شرسة من مرشح يميني هو جان ميشال أولاس، الرئيس السابق لنادي ليون لكرة القدم.
بينما في مدينة لو هافر الساحلية شمال البلاد، حقق رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب نتيجة قوية تُقرّبه من الفوز بمنصب العمدة، وهو ما يعزز طموحاته في خوض الانتخابات الرئاسية العام المقبل.
تراجع معسكر ماكرون
تراجع دور حزب "النهضة"، الذي أسسه الرئيس ماكرون، وكان قوة مؤثرة حتى وقت قريب، ليصبح غائبًا أو ثانويًا في معظم المعارك الانتخابية الحاسمة، كما علق الأمين العام للحزب جابرييل أتال على "صعود اليمين المتطرف واليسار المتشدد معًا"، لكن حزبه لم يعد قادرًا على لعب دور الوسيط كما كان في السابق، حسب "لوموند".
تشير الصحيفة الفرنسية إلى أن الأسبوع الفاصل قبل الجولة الثانية في 22 مارس يُعد اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأحزاب على التحالف، ورسم ملامح المشهد السياسي المقبل، في ظل عودة الاستقطاب التقليدي بين اليسار واليمين بعد سنوات من هيمنة التيار الوسطي.