بعد مرور ستة أشهر على بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تبدو تداعيات الصراع أوسع بكثير من الحسابات التي وضعتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بدايته، بعدما وصف الحرب بأنها مغامرة قصيرة تستغرق بضعة أسابيع.
وتحولت الحرب، وفق تحليل نشرته شبكة "سي إن إن" الأمريكية، إلى أزمة ممتدة أثرت في الإيرانيين وشعوب المنطقة والمستهلكين حول العالم، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الضغوط على الاقتصاد العالمي.
ورغم استمرار العمليات العسكرية، لم تحقق واشنطن أهدافها المعلنة بصورة كاملة، إذ انتقلت مطالب ترامب من الدعوة إلى استسلام إيراني كامل وتغيير النظام والتخلي عن الطموحات النووية، إلى التركيز على إعادة فتح مضيق هرمز والحد من قدرة طهران على استئناف برنامجها النووي.
إضعاف النفوذ الأمريكي
يرى محللون أن الحرب بدأت تفرض أعباءً على القدرات العسكرية الأمريكية، في وقت تتطلب فيه واشنطن الاستعداد لمواجهة أزمات محتملة في مناطق أخرى، بينها أوكرانيا وتايوان وبحر الصين الجنوبي وشبه الجزيرة الكورية.
وقالت إميلي هاردينج، نائبة رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، إن "الخصوم العالميين للولايات المتحدة يراقبون كيفية تعامل واشنطن مع الحرب، ويستخلصون منها دروسًا يمكن إدماجها في خططهم المستقبلية".
وأضافت أن "الخطر الحالي يتمثل في إضعاف بعض الأسس التي يقوم عليها النظام الأمني الأمريكي، حتى من دون تحول أي من نقاط التوتر إلى أزمة عسكرية شاملة.
أوكرانيا تدفع الثمن
وأدى استنزاف مخزونات الأسلحة الأمريكية وحلفائها خلال الحرب إلى إعادة توجيه بعض الذخائر التي كانت مخصصة لأوكرانيا نحو الشرق الأوسط.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن "بلاده لا تمتلك سوى نحو عُشر صواريخ الاعتراض التي تحتاج إليها بشكل عاجل لمواجهة الهجمات الروسية المتزايدة بالصواريخ الباليستية".
وتزامن ذلك مع ارتفاع الخسائر بين المدنيين في أوكرانيا، فيما أدى اضطراب أسواق النفط الناجم عن إغلاق مضيق هرمز إلى دفع إدارة ترامب لتخفيف بعض العقوبات على صادرات النفط الروسية، بهدف تهدئة أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، وهو ما وفر لموسكو مزيدًا من الإيرادات لتمويل حربها في أوكرانيا.
كما اسهم الاضطراب العالمي الذي طرأ على تجارة النفط والغاز والأسمدة نتيجة إغلاق المضيق في مساعدة روسيا على تحقيق تقدم في إيجاد عملاء جدد.
وقال ألكسندر جابويف، مدير مركز "كارنيجي روسيا أوراسيا" في برلين، إن "هذا الأمر تجلى عندما استضاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادة دول جنوب شرق آسيا في مدينة كازان الروسية في يونيو إثر الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران التي تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة ".
مخاوف في شبه الجزيرة الكورية
امتدت تداعيات الحرب كذلك إلى شبه الجزيرة الكورية، حيث قلصت إدارة ترامب المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، فيما ألغيت تدريبات برمائية كان مقررًا إجراؤها في سبتمبر.
ويحذر محللون من أن تقليص التدريبات قد يؤثر في الجاهزية العسكرية للقوات الأمريكية والكورية الجنوبية، إلى جانب احتمال ظهور نقص طويل الأمد في صواريخ الاعتراض، بعد إعادة نشر بعض المنظومات من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط.
كما أن وجود نحو 28500 جندي أمريكي في كوريا الجنوبية يجعل أي تراجع في الجاهزية محل اهتمام كبير في ظل استمرار كوريا الشمالية في تطوير ترسانتها النووية وإجراء تجارب صاروخية متكررة.
الصين المستفيدة
وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أدى إرسال حاملة الطائرات الأمريكية "جورج واشنطن" إلى بحر العرب لدعم حاملة "أبراهام لينكولن" إلى غياب حاملات الطائرات الأمريكية عن منطقة المحيط الهادئ لفترة غير محددة.
ويثير ذلك مخاوف لدى حلفاء واشنطن، خصوصًا الفلبين، في ظل تصاعد النشاط الصيني في بحر الصين الجنوبي واستمرار التوترات بين بكين ومانيلا.
وقالت هاردينج: "أكثر ما يقلقني هو وضع الولايات المتحدة في حال نشوب صراع محتمل مع الصين، وفي حين أننا لا نتوقع حدوث ذلك قريبًا، ولكن في حال حدوثه سنواجه نقصًا حادًا في الذخيرة، وخاصةً تلك التي سنحتاجها لهذا الصراع".
مخاطر عالمية
ولا تقتصر تداعيات الحرب على هذه المناطق، إذ تخشى هاردينج من أن يشكل استخدام مضيق هرمز سلاحًا في الصراع سابقة قد تشجع دولًا أخرى على استهداف ممرات مائية إستراتيجية مستقبلًا.
وترى أن حجم التداعيات العالمية سيعتمد بدرجة كبيرة على مدة استمرار الحرب، محذرة من أن إطالة أمدها ستفرض كلفة بشرية واقتصادية وعسكرية متزايدة على الولايات المتحدة والعالم.
وفي المقابل، قد يسعى ترامب إلى تسوية تركز على إبقاء البرنامج النووي الإيراني غير قابل للاستخدام وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو خيار أقل كلفة من استمرار حرب مفتوحة. أما إيران، فيبدو أن إستراتيجيتها الأساسية تتمثل في الصمود، ما قد يسمح باستمرار الأزمة لفترة أطول.