بعد أن أصابها الإحباط على الصعيد العسكري بسبب حربها مع إيران، أعلنت الولايات المتحدة عن "يوم الإنزال الاقتصادي"، مهددة بمعاقبة أي دولة أو كيان يتعامل تجاريًا مع طهران في الصناعات الرئيسية.
وتعهَّدت وزارة الخزانة الأمريكية باستهداف قطاعات الذهب والأصول الرقمية والطيران الإيرانية من بين قطاعات أخرى، بهدف خنق الخيارات القليلة المتبقية أمام إيران في التجارة العالمية.
وأوضحت -في بيان لها الاثنين الماضي- أن إيران تستخدم هذه القطاعات "لدعم اقتصادها المتعثر"، و"لمواصلة حملتها لزعزعة الاستقرار والإرهاب في المنطقة والعالم".
بالمقابل، رفض المسؤولون الإيرانيون تصريح إدارة ترامب في اليوم نفسه، ووصفوه بأنه "مجرد تهديدات جوفاء"، وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف -في بيان نشره على مواقع التواصل الاجتماعي- إن شركاء إيران التجاريين لا يأخذون التهديدات الجديدة على محمل الجد.
مع هذا، كما تشير صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أثار إعلان وزارة الخزانة الأمريكية الشامل العديد من التساؤلات، بما في ذلك مدى استعداد الولايات المتحدة لمعاقبة شركاء إيران التجاريين الرئيسيين، مثل الصين، وعلى الرغم من أن الإعلان كان بمثابة تحذير لبعض القطاعات، إلا أنه لم يُدرج جميع الأفراد والشركات المعنية على القائمة السوداء فورًا، ما أتاح وقتًا للمفاوضات.
الذهب والأصول الرقمية
لعقود، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على إيران، وقبل أن تضرب أولى الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية إيران في 28 فبراير، كانت المعاناة الاقتصادية في البلاد عميقة وواسعة النطاق، لذلك لجأ بعض الإيرانيين إلى الذهب لحماية مدخراتهم من أزمة العملة والتضخم المتصاعد.
ويُنظر إلى المعدن النفيس على أنه أصل أكثر أمانًا من العملة الإيرانية (الريال) الذي سجَّل أدنى مستوياته على الإطلاق الاثنين الماضي، بعد التهديدات الأمريكية الجديدة بفرض عقوبات.
كما دأب البنك المركزي الإيراني على تخزين كميات كبيرة من الذهب لسنوات، وخلال أربعة أشهر في عام 2025 استوردت طهران ذهبًا بقيمة تزيد على مليار دولار، معظمه من تركيا والإمارات والصين، وفقًا لتقارير صحيفة اقتصادية إيرانية.
مع هذا، قد يؤدي تكديس الذهب إلى تباطؤ الاقتصاد بشكل أكبر، إذ يمكن أن يحتفظ المزيد من الناس بأصول مصممة للحفاظ على الثروة على المدى الطويل بدلًا من تبادل النقد للحفاظ على استمرار الاقتصاد.
أيضًا، تبلغ قيمة قطاع العملات المشفرة في إيران ما يقرب من 7.8 مليار دولار، وفقًا لتقديرات عام 2025 الصادرة عن شركة Chainalysis، وهي شركة لتحليل تقنية "البلوك تشين".
ولفتت التقديرات إلى أن حجم الأموال التي تلقتها الحسابات التابعة للحرس الثوري الإيراني، ارتفع إلى أكثر من 3 مليارات دولار في عام 2025 من أكثر من ملياري دولار في عام 2024، وذلك استنادًا إلى بيانات من وكالات حكومية أمريكية وإسرائيلية.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن محللين، إن الأصول المالية البديلة، مثل الذهب، أصبحت وسيلة مهمة للمدنيين الإيرانيين لحماية ثرواتهم، كما اتهمت الولايات المتحدة طهران باستخدام هذه التقنية لتسهيل تدفقات الأموال غير المشروعة.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية، في بيانها الصادر الاثنين: "يلجأ النظام الإيراني بشكل متزايد إلى العملات المشفرة كأداة مفضلة للتهرب من العقوبات، ويدعم المعاملات المرتبطة بالحرس الثوري".
وسبق للولايات المتحدة أن استهدفت شركات العملات المشفرة الإيرانية، ففي يونيو فرضت واشنطن عقوبات على أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في البلاد "نوبيتكس"، متهمة إياها بمساعدة الحكومة على التهرب من العقوبات، وتمويل أنشطة الجماعات المسلحة، وتحويل الثروات إلى الخارج.
الطيران والشحن والتكنولوجيا
تُعدّ رحلات الركاب شريان حياة للإيرانيين الراغبين في زيارة عائلاتهم خارج البلاد، وقد تُعرِّض العقوبات الجديدة دولًا أخرى لخطر الرد الأمريكي إذا سمحت للطائرات التجارية الإيرانية، وبعضها تابع للحرس الثوري، بالهبوط في مطاراتها.
وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن إيران تستخدم خطوطها الجوية "لنقل المقاتلين وشحن الأسلحة والتقنيات الحساسة ونقل الذهب والنقد الصعب إلى وكلائها".
تلفت "نيويورك تايمز" إلى أنه "في حين تستهدف العقوبات المفروضة على قطاع الطيران الإيراني شركات الطيران داخل البلاد، لا يزال السفر الجوي العالمي يعاني من آثار الصراع، فقد تسببت المعارك في تحويل مسار الرحلات الجوية في بداية الحرب، ومن المرجَّح أن يؤدي انخفاض أسعار الوقود إلى استمرار ارتفاع تكلفة تذاكر الطيران في المستقبل المنظور".
كما فرضت الولايات المتحدة حصارًا استمر لأشهر على شحنات النفط الإيرانية، المحرك الاقتصادي للبلاد، لكن في حين احتلت صادرات النفط الإيرانية مركز الصدارة خلال الحرب، فإن طهران تعتمد أيضا على واردات الآلات والإلكترونيات وغيرها من السلع.
وقالت وزارة الخزانة في بيانها: "إن خط الشحن الوطني الإيراني ينقل بانتظام مكونات أسلحة حساسة ومواد أولية للصواريخ، بينما تقوم خدمة ناقلات النفط الوطنية الإيرانية بشحن النفط بشكل غير قانوني للنظام وأجهزته العسكرية".
وفي يوليو، استهدفت مجموعة من الأفراد والشركات التي تتخذ من خارج إيران مقرًا لها، متهمة إياهم بمساعدة "الأسطول الخفي" للسفن في البلاد على التهرب من العقوبات.
أيضًا، لم تحدد إدارة ترامب الدول أو الكيانات أو السلع التي ستستهدف في القطاع التكنولوجي، لكن وزارة الخزانة قالت إن إيران استوردت تقنيات متقدمة لاستخدامها في برامج أسلحتها.
وتوصل تحليل أجرته شركة "خارو" لتحليلات التجارة عام 2025 إلى أن مبادرة تديرها الحكومة الإيرانية قد أنشأت شبكة من الشركات الخارجية التي سهّلت تجارة التكنولوجيا العسكرية والمدنية ذات الاستخدام المزدوج، على الرغم من العقوبات الأمريكية.