شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغوط الاقتصادية على إيران، في وقت تستعد فيه واشنطن لإعلان حزمة جديدة من العقوبات وصفها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأنها ستكون "الأشد في التاريخ"، وسط تعثُّر المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ ستة أشهر، واستمرار اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز.
بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية، تعاني إيران بالفعل من تداعيات سنوات من العقوبات والضربات العسكرية، إذ اشتكى سكان في طهران وكرج من ارتفاع الأسعار ونقص بعض السلع والأدوية، فيما أقرّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن البلاد تواجه حربًا اقتصادية وعسكرية وأمنية واسعة، مؤكدًا أن حكومته تسعى إلى احتواء التضخم ومشكلات المعيشة والوظائف.
عقوبات جديدة
استعدت إدارة ترامب لإعلان إجراءات جديدة تستهدف الاقتصاد الإيراني؛ في محاولة لحرمان طهران من مصادر الإيرادات والحد من قدرتها على تمويل قواتها وحلفائها الإقليميين، وقال بيسنت إن الإجراءات الجديدة ستؤدي إلى خنق الاقتصاد الإيراني وتقليص قدرة النظام على ممارسة نفوذه عبر وكلائه.
لكنّ خبراء اقتصاديين حذروا من أن العقوبات الجديدة قد تلحق الضرر الأكبر بالمواطنين الإيرانيين، من خلال إضعاف الريال وزيادة التضخم ورفع أسعار السلع المستوردة والمدخلات الصناعية، إلى جانب تقليص القوة الشرائية للأسر.
وأوضح خبير الطاقة أمود شكري أن المؤسسات المرتبطة بالنظام والوسطاء الذين يسيطرون على التجارة غير الرسمية، قد يكونون أكثر قدرة على حماية مصالحهم، بينما سيتحمل أصحاب الأجور والمتقاعدون والشركات الصغيرة والأسر منخفضة الدخل الجزء الأكبر من التداعيات.
اقتصاد الظل
اعتمدت إيران على مدى عقود على شبكات مُعقَّدة للالتفاف على العقوبات الغربية، وشملت هذه الشبكات شركات واجهة ووسطاء ومكاتب صرافة وأساطيل ناقلات نفط سرية، تستخدم عمليات نقل من سفينة إلى أخرى وتغيير بيانات التتبع ووثائق مُزوَّرة للمساعدة في نقل النفط.
وأشارت بيانات أمريكية إلى أن أنشطة مصرفية إيرانية سرية بقيمة 9 مليارات دولار جرت عبر حسابات مراسلة أمريكية خلال عام 2024، فيما تعمل شركات واجهة مرتبطة بالنفط والشحن والاستثمار عبر شبكات تمتد إلى الإمارات وهونج كونج وسنغافورة.
وأضاف الخبراء أن إيران تستخدم اليوان الصيني ونظام المقايضة وقنوات مالية خارج النظام المصرفي القائم على الدولار لتسهيل معاملاتها، ما يجعل استهداف اقتصادها أكثر تعقيدا بالنسبة إلى واشنطن.
وقال مايكل باركر، الخبير في العقوبات الاقتصادية والذي عمل ثماني سنوات في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، إن الاستراتيجية الجديدة ستُمثّل على الأرجح محاولةً "لتوسيع نطاق التأثير الاقتصادي" للعقوبات من خلال استهداف دول ثالثة لا تزال تتعامل مع إيران، لكن اقتصاداتها تعتمد على الدولار الأمريكي.
وأضاف: "حتى الآن، استخدمت الولايات المتحدة في الغالب التهديد بهذه العقوبات الثانوية ضد المؤسسات المالية الأجنبية لحثّها على الامتثال لسياسة العقوبات".
وأضاف باركر: "لكن هذه أداة لم تُستغلّ بعد، إذ تستهدف أي شيء له صلة بالدولار الأمريكي وإيران".
وعلى سبيل المثال، أشار باركر إلى المؤسسات المالية الأجنبية التي تساعد إيران على التهرب من العقوبات، أو التي تحوّل الأموال إلى خزائنها.
الالتفاف على العقوبات
ولا يزال رد إيران على هذه التحركات غير واضح، لكن خبراء العقوبات يقولون إن إيران أثبتت حتى الآن براعتها في استخدام قنوات غير نظامية للالتفاف على العقوبات، مثل سفن "الظل" التي تنقل النفط أو واجهات تجارية جديدة غير مدرجة في العقوبات الأمريكية، بحسب "بي بي سي".
وقال محمد حمودة، مدير مراقبة الصادرات والعقوبات في بورصة لندن: "تظهر أسماء جديدة باستمرار، لأن إيران تتكيف بسرعة كبيرة. مهما كانت العقوبات المفروضة، تجد إيران طريقًا جديدًا للالتفاف عليها".
وأضاف أن هذه التحركات الإيرانية المضادة غالبًا ما تجعل المسؤولين عن إنفاذ العقوبات في سباق مع الزمن.
وقال حمودة: "العقوبات كلها على الورق، لكن العمل الحقيقي يجري خلف الكواليس"، هناك فرقٌ في جميع أنحاء العالم تسعى لفرض عقوبات وتحديد الأطراف المتورطة، ولهذا السبب يتعين على إيران محاولة التكيف، وسيتحدد مدى فعالية هذه العقوبات إلى حد كبير بمدى استجابة الدول المستهدفة في نهاية المطاف.
قدرة على الصمود
أظهرت إيران خلال العقود الماضية قدرة على التكيُّف مع العقوبات، من خلال زيادة الإنتاج المحلي والاستعانة بشبكات تجارية غير رسمية لتوفير السلع الأساسية، ولا سيما من الصين، فيما يقول خبراء إن الحكومة أثبتت قدرتها على نقل جزء كبير من تكلفة العقوبات إلى السكان مع حماية المؤسسات الأساسية لبقاء النظام.
وتزامنت الضغوط الجديدة مع احتجاجات شهدتها إيران؛ بسبب ارتفاع الأسعار والتضخم وانهيار العملة، قبل أن تتوسع المطالب لتشمل قضايا سياسية، وردت السلطات باتهام المحتجين بالعمل لصالح جهات أجنبية وشن حملة أمنية واسعة.
وأكدت دينا إسفندياري، المسؤولة عن اقتصاديات الشرق الأوسط في "بلومبرج إيكونوميكس"، أن القيادة الإيرانية مستعدة لتحمل الضغوط لفترة طويلة، معتبرة أن الإجراءات التي يدرسها ترامب لن تدفع طهران إلى الاستسلام، وأن الحل يتطلب الدبلوماسية وتقديم حوافز، وهو خيار لا يبدو مطروحًا حاليًا.