الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

تاكسي لندن في مواجهة الروبوت.. السيارات ذاتية القيادة تهدد عرش السائقين

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

لم تكد تهدأ معركة سائقي التاكسي الأسود في لندن مع شركات النقل الخاصة كأوبر، حتى وجدوا أنفسهم أمام تهديد أشد وطأة وأكثر جذرية: سيارات أجرة بلا سائق، تتربص بهم في شوارع المدينة العريقة. كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن شركتي Waymo وWayve المملوكة لـAlphabet البريطانية الناشئة المدعومة من أوبر، تتسابقان لجعل لندن بوابتهما الأوروبية لخدمات سيارة الأجرة ذاتية القيادة، وسط دعم حكومي صريح وغضب متصاعد من آلاف السائقين الذين يرون في هذه التكنولوجيا تهديدًا وجوديًا لرزقهم.

معركة لا تنتهي

تشير فايننشال تايمز إلى أنه منذ أن اقتحمت أوبر سوق النقل في لندن عام 2014، فقد سائقو التاكسي الأسود قرابة ثلث دخلهم، غير أنهم أثبتوا قدرة لافتة على الصمود.

يقول محمد محمد، الذي حصل على رخصة القيادة الشهيرة عام 2014، للصحيفة البريطانية: "منذ ذلك الحين ونحن نخوض معارك متواصلة، لكننا نجونا لأننا أكثر كفاءة وأسرع في إيصال الركاب".

أما اليوم، فالمشهد تغير جذريًا، إذ يجد سائقو التاكسي وسيارات الأجرة الخاصة على حد سواء أنفسهم في مواجهة موجة تكنولوجية لا سابق لها.

وفي ظل هذا القلق المتصاعد، بدأ تطبيق Waymo للسيارات الأجرة ذاتية القيادة جولاته التجريبية في شوارع لندن منذ نحو ستة أشهر، فيما تُعد أوبر بالفعل قائمة اهتمام لتوصيل ركابها عبر مركبات Wayve ذاتية القيادة فور إطلاق الخدمة رسميًا.

دعم حكومي

لا تخفي الحكومة البريطانية حماسها لهذه التقنية الوليدة، إذ صرح وزير الأعمال جوناثان رينولدز لفايننشال تايمز بأن "الابتكار يصنع فرصًا جديدة دائمًا، والطريق للحفاظ على وظائف جيدة هو احتضان التغيير"، غير أن الواقع الميداني يطرح تساؤلات جدية حول مدى ملاءمة لندن لهذه التجربة.

يرى محمد محمد أن شوارع المدينة الضيقة، والمشاة غير المنضبطين، والأعراف المرورية غير المكتوبة، تجعل تشغيل هذه المركبات أمرًا بالغ التعقيد، مشيرًا إلى أن السائق البشري قادر في وقت الذروة على "التسلل ببراعة" عبر حشود المشاة عند ممرات العبور قرب محطات المترو، بينما "ستظل السيارة ذاتية القيادة عالقة حتى عيد الميلاد القادم".

وتشاطره سوزان سوليفان، المسؤولة عن التوظيف في اتحاد سائقي التاكسي المرخصين، القلقَ ذاته، لافتةً إلى أن السياح، وهم الشريحة الأوسع في أشهر الصيف، يبحثون في المقام الأول عن محادثة دافئة مع سائق يعرف لندن ويحكي حكاياتها، وليس عن رحلة صامتة في مركبة بلا روح.

أما كولا أولاليكان، أمين فرع نقابة GMB التي تمثل آلاف سائقي الأجرة الخاصة، فقال إنه "محتار" من قرار البدء بلندن تحديدًا نظرًا لتضاريسها الجغرافية المعقدة.

مواجهة قذرة

لا يكتفي بعض السائقين بالتذمر، بل تكشف فايننشال تايمز أن منهم من يفكر جديًا في أساليب تعطيل هذه المركبات، من إجبارها على التوقف في الازدحام المروري، إلى التلاعب بمستشعراتها، ووضعها في تقاطعات مغلقة تستوجب الغرامات، وصولًا إلى تقديم بلاغات تأمينية كاذبة عند أي حادث.

في المقابل، أكدت شركة Wayve أن أسطولها التجريبي لم يرصد حتى الآن أي سلوك عدائي، مشيرةً إلى أن نظامها مصمم للقيادة "بطريقة إنسانية" تتيح التعايش السلس مع بقية مستخدمي الطريق، وفق ما أوضح الرئيس التنفيذي أليكس كيندال.

وعلى الرغم من ذلك، يواصل سائقون كثيرون النظر إلى هذه التكنولوجيا بعين الريبة، مستشهدين بجملة من الخدمات الإنسانية التي لن تستطيع مركبة ذاتية تقديمها، كاستعادة المفقودات، ومساعدة ذوي الإعاقات في حمل أمتعتهم، ومراقبة سلوك الركاب.

وقد رصد استطلاع يو جوف أن النساء أكثر رفضًا من الرجال لفكرة الروبوتاكسي، وهو ما يُفسره لويد بالدوين، السائق المخضرم، بقوله إنه اعتاد أن يوصل المرأة التي تسافر منفردة ليلًا حتى باب منزلها ولا يغادر قبل أن تُغلق الباب خلفها، وهو ما لن تستطيع أي سيارة ذاتية القيادة فعله.

وظائف في مهب الريح

تبقى المخاوف الاقتصادية الأعمق هي الأشد إيلامًا، وبحسب دراسة أجراها الدكتور كارل بينيدكت فراي من معهد أكسفورد للإنترنت، فإن دخول أوبر إلى المدن الأمريكية أسفر عن تراجع أرباح سائقي التاكسي بنسبة 10%، ويتوقع فراي أن يُعيد الروبوتاكسي سيناريو مماثلًا في البداية، قبل أن يتحول مع نضج التكنولوجيا إلى "تهجير كامل" للسائقين.

على الأرض، يتجلى هذا القلق في تصرفات يومية، إذ بات كثير من السائقين يؤجلون تجديد سياراتهم.

ويُلخص علي حيدر، ممثل نقابة GMB وسائق أوبر في برايتون، المشهد بقوله: "السائقون يرون إلى أين تتجه الأمور".

وتعترف أوبر ذاتها بأن "التنقل الذاتي سيؤثر على العمال والركاب والمجتمعات"، لكنها تراهن على نموذج "هجين" يجمع بين المركبات الذاتية والسائقين البشريين لضمان "انتقال أكثر سلاسة".

وفي السياق ذاته، يرى البروفيسور جاك ستيلجو من جامعة كوليدج لندن أن التأثير سيكون أبطأ مما يروّج له المستثمرون، مشيرًا إلى أن وراء أتمتة النقل "عمالة خفية" من مشغلين عن بُعد وعمال نظافة وصيانة، "تفضل الشركات عدم الحديث عنها حتى لا تفسد وهم الأتمتة الكاملة".