مرة أخرى، يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شركاء بلاده بكل شيء، من الرسوم الجمركية إلى القنابل. وفي المقابل، يُظهر إعجابه الشديد برئيس بلد نووي يُعتبر أحد أكبر المخاطر على الأمن الأمريكي. ليجد العالم نفسه في حيرة من أمره، محاولًا فهم أمريكا ترامب التي قلبت النظام العالمي الذي أسسته قبل ثمانية عقود رأسًا على عقب.
فبعد مرور ما يقارب عشر سنوات على وصول ترامب إلى البيت الأبيض بشعار "أمريكا أولًا"، أصبح نهجه في العلاقات الدولية، القائم على مهاجمة الأصدقاء ومصادقة الأعداء "سمةً بارزةً، لا عيبًا، في السياسة الخارجية الأمريكية"، كما يشير تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز".
وبينما تداعت التحالفات الأمريكية التقليدية، من أوروبا إلى آسيا إلى الشرق الأوسط، يسعى ترامب إلى استمالة من كانوا يُعتبرون خصومًا له. أو كما قالت الصحيفة "أبرزت الأيام القليلة الماضية بوضوح رؤية ترامب للعالم".
فقد صرّح ترامب بأنه ربما سيقصف سلطنة عُمان، التي تُعّد حليف رئيسي في دبلوماسية الشرق الأوسط المعقدة، إذا رأى أنها تعرقل حربه مع إيران. وكان ينوي فرض تعريفات جمركية جديدة عقابية على كندا، التي كانت تُعتبر في السابق أقرب حلفاء الولايات المتحدة. كما أعلن أنه سيسحب الدعم العسكري من كوريا الجنوبية، التي تُعدّ ركيزة أساسية لشبكة شركاء الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
في الوقت نفسه، عاد ترامب إلى إرسال رسائل غرامية علنية إلى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، الذي قال إنه "وقع في حبه" خلال ولايته الأولى، رغم أن كيم لم يتخلَّ عن أسلحته النووية، كما صرّح ترامب سابقًا. بل على العكس، وسّع كيم ترسانته النووية بشكل كبير في تحدٍّ لترامب، الذي لا يزال مع ذلك يسعى للتقرب منه، مهما كان هذا التقرب غير متبادل.
ترامب وكيم
منذ بدء الحرب حول مضيق هرمز، بدت سلطنة عُمان وسيطًا مهمًا بين الولايات المتحدة وإيران، حيث ساهمت في تيسير المفاوضات عندما كان الجانبان منفتحين على الحوار. إلا أن ترامب ازداد استياءً من سعي مسقط للتوسط في اتفاق مع إيران للسيطرة على مضيق هرمز.
ولأول مرة، هدد الرئيس الأمريكي بشن حرب غير مبررة على السلطنة في مايو الماضي، قائلًا: "ستتصرف عُمان مثل أي دولة أخرى، وإلا فسنضطر إلى تفجيرها". وفي يوم الاثنين الماضي، هاجم مجددًا، مصرحًا بأنه إذا "عرقلت" عُمان جهوده للتوصل إلى اتفاق مع إيران، "فسنقصفها بشدة".
طالما دافع ترامب عن نهجه تجاه الدول الأخرى، مهما بدا غير تقليدي، حيث يرى أنه يصب في مصلحة الولايات المتحدة. ويؤكد أن الحلفاء، في عهد الرؤساء السابقين، استغلوا الوجود الأمني الأمريكي وقواعد التجارة دون رد الجميل. ويرى أن العجز التجاري المرتفع نسبيًا وانخفاض الإنفاق العسكري لحلف الناتو "دليل على أن ما يُسمى بالأصدقاء يستغلون الولايات المتحدة".
أما فيما يتعلق بالتفاوض مع كوريا الشمالية والصين وروسيا وغيرهم من الخصوم القدامى، فيرى ترامب أن سياسات المواجهة السابقة لم تحقق أهدافها، لذا من الأفضل اللجوء إلى الدبلوماسية. ولا يزال يأمل في التوصل إلى اتفاق نووي مع كوريا الشمالية، وإبرام اتفاقية تجارية شاملة مع الصين، وإعادة العلاقات الكاملة مع روسيا عبر التوسط لإنهاء حرب أوكرانيا.
معيار الحلفاء
تشير "نيويورك تايمز" إلى أن الحرب مع إيران وفرت معيارًا جديدًا لتحديد الحلفاء الذين يستحقون الدعم والذين لا يستحقونه "ففي نظره، خانت الدول التي رفضت تسهيل العمليات العسكرية ضد طهران أو استخدام القوة لضمان المرور عبر مضيق هرمز الولايات المتحدة، رغم أنه لم يستشرها قط قبل بدء الحرب".
وبعد أن وجّه انتقاداته لبريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وغيرها لعدم بذلها المزيد من الجهد لمساعدته ضد إيران، وجّه ترامب غضبه الآن نحو كوريا الجنوبية.
بعد إعلانه أنه سيقلص التدريبات المشتركة مع كوريا الجنوبية قال ترامب: "لدينا 39 ألف جندي هناك يحمونكم من كيم جونج أون، جاركم، وأنتم لن تساعدونا في عملية عسكرية سهلة للغاية في إيران؟".
ثم تابع على النقيض من ذلك، قائلًا: "لطالما عاملني كيم جونج أون باحترام كبير، وقد التقينا في مناسبات عديدة، في الواقع، مناسبتان رئيسيتان، تحدثنا وقضينا بعض الوقت. أنا أفهمه. وهو يفهمني".
والآن، يحاول الحلفاء تجنب تفاقم الوضع. ينقل التحليل عن فيكتور تشا، رئيس قسم الجغرافيا السياسية والسياسة الخارجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "إنهم يتحملون الوضع بصبر وجلد لأنهم في النهاية لا يريدون أن يلحق ضرر لا يمكن إصلاحه بالتحالف خلال العامين المقبلين".
لكن لم يكن ترامب أول رئيس مهتم بسحب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية بعد مرور كل هذا الوقت على انتهاء الحرب. فقد وعد الرئيس الأسبق جيمي كارتر بتقليص القوات الأمريكية هناك، لكنه تراجع عن ذلك بسبب معارضة الكونجرس وإدارته. كما فاجأ دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع في عهد الرئيس بوش الابن، الكوريين الجنوبيين بإعادة نشر لواء في العراق، ولم يُعده قط، واليوم، يتمركز نحو 28,500 جندي أمريكي في كوريا الجنوبية، وفقًا لمركز أبحاث الكونجرس.