أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خفض المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، في قرار ربطه صراحةً بعلاقته مع نظيره الكوري الشمالي كيم جونج أون، غير أن تصريحاته كشفت أن رفض سول المشاركة في العمليات الأمريكية ضد إيران كان الدافع الحقيقي وراء هذه الخطوة، وبحسب ما أوردت تقارير، فإن ترامب وظّف ورقة بيونج يانج أداة للضغط على حليف إستراتيجي رفض الانخراط في أجندته بالشرق الأوسط، في سابقة تُثير قلقًا بالغًا في صفوف الحلفاء حول موثوقية واشنطن شريكًا أمنيًا في منطقة المحيط الهادئ.
قرار في اللحظة الأخيرة يُفاجئ سول
تشير صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن إعلان ترامب جاء قُبيل انطلاق مناورة "درع الحرية أولتشي" السنوية التي تمتد أحد عشر يومًا حتى السابع والعشرين من أغسطس، وتستهدف تعزيز قدرات الردع في مواجهة أي هجوم كوري شمالي محتمل، بمشاركة أكثر من ثمانية عشر ألف جندي كوري جنوبي إلى جانب القوات الأمريكية، مع تركيز خاص على التصدي للطائرات المُسيّرة والهجمات الإلكترونية.
وأوضح ترامب أنه وجّه وزير الحرب بيت هيجسيث بخفض التدريبات لا إلغائها، إذ بات ذلك "متأخرًا جدًا"، واصفًا إياها بأنها "مكلفة وغير ملائمة وتُوجّه رسالة عدائية" لبيونج يانج التي وصفها بأنها "غير مهددة وتحترم الولايات المتحدة" منذ توليه الرئاسة.
وعلى الرغم من هذا كله، انطلقت التدريبات في موعدها دون تأخير، فيما آثرت سول الصمت الرسمي حيال تصريحات ترامب، بحسب ما أفادت وول ستريت جورنال، في حين وصفت بيونج يانج قبيل القرار هذه التدريبات بأنها "بروفة لحرب عدوانية".
بيونج يانج تتسلح وترامب يمد يد الود
تكتسب هذه الخطوة خطورة مضاعفة في ضوء التصعيد الكوري الشمالي المتواصل، إذ كشف تقرير الاستخبارات الأمريكية السنوي، الصادر في مارس الماضي، أن بيونج يانج تُعَد واشنطن "منافسًا إستراتيجيًا وعدوًا محتملًا" وتمضي قُدُمًا في توسيع ترسانتها من الأسلحة الإستراتيجية.
وفي الأسبوع الماضي وحده، أطلقت كوريا الشمالية صاروخًا باليستيًا قطع أكثر من سبعمائة كيلومتر من ساحلها الشرقي، فضلًا عن تزويدها روسيا بقوات وصواريخ لدعم حربها على أوكرانيا، وفق معلومات الاستخبارات الأمريكية.
وفي هذا السياق، أشار باتريك كرونين من معهد هدسون، لـ وول ستريت جورنال، إلى أن "كوريا الجنوبية حليف لا غنى عنه لصون الردع في شبه الجزيرة الكورية ودعم قاعدتنا الصناعية في قطاعات البناء البحري وأشباه الموصلات"، محذرًا من معاقبة سيول بسبب غياب إستراتيجية واضحة في الشرق الأوسط.
أما الأستاذ ميسون ريتشي من جامعة هانكوك في سيول، فوصف القرار لصحيفة فايننشال تايمز، بأنه "بقدر ما هو مجنون بقدر ما هو غير مسؤول"، محذرًا من تطبيع ما هو شاذ بامتياز.
التوتر الخفي بين الحليفين
لم يكتفِ ترامب بالورقة الكورية الشمالية مبررًا لقراره، بل كشف صراحةً أن رفض الرئيس لي جاي-ميونج المشاركة في "نزع السلاح النووي الإيراني" كان سببًا "مرتبطًا نسبيًا" بخفض التدريبات، إذ طالب ترامب سول مرارًا بإرسال سفن حربية لتأمين مضيق هرمز، غير أن الجانب الكوري الجنوبي رد بأن قوانينه الداخلية تستلزم موافقة الجمعية الوطنية قبل نشر أي قوات خارج البلاد، مكتفيًا بوعد بـ"مساهمة تدريجية".
وأكد وزير الخارجية ماركو روبيو، عقب لقائه نظيره الكوري في مانيلا، أن مشاركة سول "في مصلحتها"، مشيرًا إلى امتلاكها "قدرات متميزة في إزالة الألغام وما شابهها".
وبحسب فايننشال تايمز، فإن بعض مسؤولي إدارة ترامب يشعرون بالإحباط من تأخر سول في تقديم مشاريع استثمار ملموسة في الولايات المتحدة، رغم اتفاقها في إطار مفاوضات التجارة على ضخ ثلاثمائة وخمسين مليار دولار.
حلفاء المحيط الهادئ يترقبون
تُفاقم هذه التطورات قلقًا أعمق لدى حلفاء واشنطن في منطقة المحيط الهادئ، لا سيما أن حاملة الطائرات يو إس إس جورج واشنطن غادرت المنطقة متجهةً إلى الشرق الأوسط، تاركةً المحيط الهادئ دون حاملة طائرات أمريكية.
وكشفت فايننشال تايمز أن وزارة الدفاع أبلغت بعض الحلفاء بتأخر كبير في تسليم أسلحة أمريكية جراء استنزاف حرب إيران للمخزون، من بينها صواريخ توماهوك الكروز المقرر تسليمها لليابان.
ولا يبدو أن ترامب يتعامل مع هذا الملف باعتباره استثناءً، إذ سبق له إلغاء التدريبات العسكرية مع سيول فور اللقاء الأول مع كيم في سنغافورة عام 2018، في مفاجأة أربكت مستشاريه آنذاك.
وتُشير فايننشال تايمز إلى أن التاريخ قد يعيد نفسه، في حين يترقب الحلفاء من سول إلى طوكيو ما إذا كانت واشنطن لا تزال الضامن الموثوق لأمن المنطقة.