أثارت قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقليص التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، مخاوف متزايدة بين حلفاء واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في وقت تتزامن فيه الخطوة مع سحب أصول عسكرية أمريكية من المنطقة إلى الشرق الأوسط واستنزاف مخزونات الأسلحة؛ بسبب الحرب مع إيران.
وجاء القرار قبل ساعات من الموعد المقرر لبدء مناورات "درع الحرية أولتشي" السنوية بين القوات الأمريكية والكورية الجنوبية، بعدما أعلن ترامب أن التدريبات تبعث برسالة "عدائية" إلى كوريا الشمالية، في موقف يتطابق مع انتقادات بيونج يانج التي وصفت المناورات بأنها "تدريب على حرب عدوانية"، بحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية.
قلق الحلفاء
أثارت الخطوة مخاوف بشأن مدى استعداد واشنطن للحفاظ على التزاماتها الأمنية في آسيا، خصوصًا بعدما غادرت مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس جورج واشنطن" منطقة المحيط الهادئ متجهة إلى الشرق الأوسط، ما يترك المنطقة من دون حاملة طائرات أمريكية في وقت تكثف فيه الصين تحركاتها العسكرية.
وقال مايكل جرين، رئيس مركز الدراسات الأمريكية في سيدني والمستشار السابق لشؤون آسيا في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، إن أحد حلفاء واشنطن شبّه التعامل مع إدارة ترامب بالذهاب إلى الفضاء مع شخصية "سيجورني ويفر" في فيلم "إليان"، في إشارة إلى حالة عدم اليقين المحيطة بسياسات الإدارة.
وأضاف جرين أن أحدث مصدر للقلق تَمثّل في تهديد ترامب بإلغاء التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية، معتبرًا أن الخطوة جاءت في وقت كانت فيه واشنطن تحاول طمأنة حلفائها من خلال مطالبتهم بالتركيز على أفعال الرئيس وليس تصريحاته.
استنزاف عسكري
تزامنت التطورات مع تصاعد المخاوف لدى الحلفاء الآسيويين من تداعيات الحرب مع إيران، التي أدت إلى استنزاف كبير في مخزونات الأسلحة الأمريكية وتأخير عمليات تسليم أسلحة إلى دول المنطقة، من بينها صواريخ "توماهوك" التي طلبتها اليابان.
وقال زاك كوبر، الخبير في أمن آسيا لدى معهد "أمريكان إنتربرايز"، إن مسؤولي إدارة ترامب تحدثوا عن "تعزيز الردع بهدوء وبلا توقف" في آسيا، لكن واشنطن تنقل في الوقت نفسه ذخائر أساسية وأصولًا بحرية من المنطقة إلى الشرق الأوسط وتلغي تدريبات عسكرية مع حلفائها الآسيويين.
وأضاف كوبر أن الإدارة الأمريكية أصبحت أكثر تحفظًا في تحركاتها في آسيا، لكنها تبدو وكأنها نسيت اصطحاب "العصا الكبيرة"، في إشارة إلى القدرات العسكرية التي تعتمد عليها واشنطن لردع خصومها وطمأنة حلفائها.
وأظهرت التطورات أن الحرب مع إيران باتت تؤثر في قدرة الولايات المتحدة على توزيع مواردها العسكرية بين المناطق المختلفة، بينما تخشى دول آسيوية أن يؤدي استمرار استنزاف المخزونات إلى إضعاف قدرة واشنطن على الاستجابة لأي أزمة جديدة.
مخاوف تايوان
تزايدت المخاوف قبل أسابيع من زيارة متوقعة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى واشنطن، خصوصًا مع استمرار الغموض بشأن سياسة ترامب تجاه تايوان.
وكان ترامب قد وصف مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان بأنها "ورقة مساومة" خلال حديثه في بكين في مايو، بينما أثار تأخر إدارته في الموافقة على حزمة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار قلقًا في تايبيه.
وفي المقابل، وافق ترامب على مبيعات أسلحة لتايوان بقيمة أكبر من أي رئيس أمريكي سابق، بينها حزمة بلغت 11.1 مليار دولار في ديسمبر، لكن تأخر الحزمة الجديدة أعاد التساؤلات حول مدى ثبات السياسة الأمريكية تجاه الجزيرة.
كما أثارت اليابان مخاوف مماثلة بعدما امتنع ترامب العام الماضي عن الدفاع عن رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي عقب انتقادات صينية لتصريحاتها بشأن احتمال تدخل اليابان في حرب إذا هاجمت الصين تايوان.
تعزيز الدفاع
حاولت القيادة العسكرية الأمريكية في المحيط الهادئ خلال الفترة الماضية تعزيز التعاون مع الحلفاء، إذ وسعت واشنطن تعاونها العسكري مع الفلبين، ودعت عددًا قياسيًّا من الحلفاء للمشاركة في أكبر تدريبات ثنائية سنوية بين البلدين.
كما وسعت الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية العام الماضي تدريباتها الثلاثية المعروفة باسم "فريدوم إيدج"، لكن قرار تقليص التدريبات مع سول أعاد التأكيد بالنسبة إلى حلفاء واشنطن على أن الاعتماد على الدعم الأمريكي لا يمكن أن يكون مضمونًا بالكامل.
وقال مايكل جرين إن الثقة في الولايات المتحدة وصلت إلى أدنى مستوياتها المسجلة في اليابان وأستراليا، لكنه أشار إلى أن التأييد للتحالف مع واشنطن لا يزال مرتفعًا بين حلفائها في آسيا، مدفوعًا بالتهديد الصيني وبالثقة في استمرار الدعم الشعبي والكونجرس والجيش الأمريكي للتحالفات.
مسؤولية الحلفاء
انقسم الخبراء بشأن ما إذا كان تقليص التدريبات يمثل تراجعًا أمريكيًّا عن التزاماتها الأمنية، إذ قالت جينيفر كافاناه، المحللة العسكرية في مؤسسة "ديفنس برايورتيز"، إن الولايات المتحدة أصبحت مثقلة بالتزاماتها العسكرية حول العالم، وإن عليها دفع حلفائها إلى تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهم.
وقالت كافاناه إن الولايات المتحدة "لا ينبغي أن تخوض حربًا مع كوريا الشمالية نيابة عن كوريا الجنوبية"، معتبرة أن إلغاء التدريبات يمكن أن يمثل إشارة إلى ضرورة تحرك سول بوتيرة أسرع لتعزيز قدراتها الدفاعية.
وفي المقابل، رأى خبراء أن الخطوة قد تضعف جهود الردع في المنطقة، خاصة مع استمرار التهديد الكوري الشمالي وتزايد القوة العسكرية الصينية، بينما قالت وزارة الدفاع الأمريكية إنها تعمل على تنفيذ أمر ترامب بتقليص التدريبات.
وأرجع بعض الخبراء التوتر إلى خلافات بين واشنطن وسول، من بينها عدم إعلان كوريا الجنوبية عن مشاريع محددة ضمن تعهدها باستثمار 350 مليار دولار في الولايات المتحدة، وفقًا لاتفاق تجاري بين البل
ورفض البيت الأبيض الاتهامات بأن ترامب يقوض التحالفات، مؤكدًا أن الرئيس "أعاد لأمريكا احترامها"، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن ترامب يعمل على "تصحيح عقود من الأخطاء" عبر ضمان أن تقوم العلاقات الدبلوماسية الأمريكية على مبدأ المعاملة بالمثل.