أثارت تحقيقات جنائية بحق مواطنين أطلقوا أوصافًا ساخرة على المستشار الألماني فريدريش ميرز، جدلًا واسعًا حول قانون يمنح السياسيين حماية إضافية من الإهانات، ودَفعت القضية أحزابًا من مختلف الاتجاهات إلى المطالبة بتعديل التشريع، بحسب موقع "بوليتيكو".
اتفاق نادر
اتفقت الأحزاب السياسية الألمانية على أن المادة 188 من قانون العقوبات، التي تفرض عقوبات أشد على إهانة السياسيين، تحتاج إلى تغيير، لكنها اختلفت بشأن طبيعة الإصلاح وتوقيته، وسط انتقادات بأن القانون خلق امتيازًا قانونيًا خاصًا للمسؤولين المنتخبين.
وقالت سوزانه هيرل، النائبة عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي ينتمي إليه ميرز، إن الانتقادات الموجهة إلى القانون تحظى باهتمام، معتبرة أن تطبيقه أعطى انطباعًا بوجود "امتياز قانوني خاص للسياسيين"، وهو ما لم يكن الهدف من التشريع.
وأكد موريتس أوبلت، وزير العدل في ولاية بادن-فورتمبيرج، أن القانون يجب أن يحافظ على هدفه الأصلي المتمثل في حماية السياسيين المحليين الذين يتعرضون أحيانًا لإساءات شديدة، مشددًا في الوقت نفسه على أن كبار المسؤولين "يجب أن يكونوا قادرين على تحمل الانتقادات القاسية".
انقسام حزبي
دعّمت أحزاب من اليسار واليمين المتطرف إلغاء المادة بالكامل، بينما أيّدت أحزاب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والخضر والحزب الاشتراكي الديمقراطي إدخال تعديلات عليها، بما يعكس اتفاقًا واسعًا على ضرورة تغيير القانون رغم اختلاف المواقف بشأن كيفية القيام بذلك.
وقال لوك هوس، النائب عن حزب اليسار، إن المادة تخلق جريمة جنائية خاصة تنطبق على السياسيين وحدهم، مطالبًا بإلغائها، بينما رأى توبياس بيتركا، النائب عن حزب البديل من أجل ألمانيا، أن السياسيين الذين يختارون ممارسة السلطة العامة يجب أن يتحمّلوا انتقادات أشد من المواطنين العاديين وليس أقل.
وأعيدت صياغة القانون في عام 2021 خلال حكومة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، في إطار جهود أوسع لمواجهة التطرف اليميني وخطاب الكراهية، وجاء التشديد بعد مقتل السياسي عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي فالتر لوبكه عام 2019 على يد متطرف يميني، إضافة إلى تصاعد الاعتداءات اللفظية والجسدية على سياسيين محليين خلال جائحة كورونا.
إهانات ميرز
سمحت المادة 188 بملاحقة الإهانات العلنية أو المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي عندما تكون مرتبطة بالدور العام للسياسي ويُنظر إليها على أنها تعرقل عمله بشكل كبير، وفرضت عقوبات تصل إلى السجن ثلاث سنوات أو الغرامة، فيما تواجه جرائم التشهير ونشر الادعاءات الكاذبة عقوبات أشد.
وتصاعد الجدل بعد التحقيق مع مواطنين بسبب أوصاف أطلقوها على ميرز، إذ غُرّم أحد الأشخاص بعدما وصفه بـ"فريتز الكذاب"، فيما عوقب آخر لاستخدامه لقبًا بذيئًا مشتقًا من اسمه، في حين خضع المتقاعد آندي هوتنر، البالغ 66 عامًا، للتحقيق بعدما كتب على منشور للشرطة على فيسبوك "بينوكيو قادم" قبل زيارة مرتقبة للمستشار.
وقال "هوتنر" إنه رأى أن وصف ميرز بـ"بينوكيو" مناسب بسبب ما اعتبره وعودًا كثيرة ونتائج محدودة، مؤكدًا أنه لم يتوقع أن يؤدي تعليقه إلى أي تبعات قانونية، قبل أن تُغلق القضية إثر الضجة الإعلامية التي أثارتها.
إصلاح مؤجل
دَفعت الانتقادات المتزايدة أحزابًا رئيسية إلى طرح تضييق نطاق المادة بدلًا من إلغائها، إذ اقترح حزب الخضر قصر الحماية الخاصة على المسؤولين المنتخبين على المستوى المحلي، وهو اتجاه أيدته أيضًا وزيرة العدل عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي ستيفاني هوبيغ.
ودعت وزراء العدل في الولايات الألمانية في يونيو إلى تضييق نطاق القانون ليشمل المسؤولين المحليين، فيما أكدت هيرل أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي سيراجع صياغة المادة وطريقة تطبيقها، لكن الحكومة التي يقودها ميرز وحزب الخضر المعارض لا يعتزمان حالياً الدفع بتشريع جديد بعد العطلة الصيفية للبرلمان.
ورفض البرلمان الألماني مشروع قانون قدمه حزب البديل من أجل ألمانيا لإلغاء المادة، فيما قدم الحزب لاحقًا مشروعًا آخر، لكن الأحزاب الوسطية ترفض التعاون معه في إطار ما يعرف بـ"جدار الحماية" السياسي، بينما قدم حزب اليسار بدوره اقتراحًا برلمانيًا بشأن المادة، ما عزز الانطباع بوجود توافق واسع على إصلاحها، حتى مع استمرار الخلاف حول حدود الحماية التي ينبغي أن يحصل عليها السياسيون.