نحو ستة أشهر من الحرب كانت كفيلة لاستنزاف مخزونات صواريخ «باتريوت» و«ثاد» الأمريكية لاعتراض الصواريخ الإيرانية، لتفتح ثغرة جديدة في الدفاعات الأوربية أمام العالم دون تعمُّد من واشنطن، في وقت يتصاعد فيه إنتاج الصواريخ لدى روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية.
مظلّة مُكلّفة
ووفقًا لصحيفة «ذا تليجراف» البريطانية، تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها فجوة متزايدة بين حجم الصواريخ الباليستية المُنتَجة وقدرة أنظمة الدفاع على اعتراضها، إذ تأتي الحرب مع إيران بعد عمليات استنزاف سابقة لمخزونات الصواريخ الدفاعية خلال حرب أوكرانيا والدفاع عن إسرائيل.
وتحمي منظومتا «باتريوت» و«ثاد» حاليًا مدنًا وقواعد عسكرية في أنحاء الخليج وأوروبا وآسيا، وأثبتت هذه المظلّة الدفاعية فعاليتها، رغم كُلفتها المرتفعة، خلال حرب دونالد ترامب ضد إيران، إذ تمكّنت دول الخليج والقواعد الأمريكية من اعتراض أكثر من 90 في المائة من الصواريخ الإيرانية.
لكن هذا الأداء استنزف مخزونات الصواريخ الدفاعية بصورة كبيرة، بعدما استخدم خلال أشهر ما يعادل إنتاج عدة سنوات، وطرح ذلك تساؤلات حول قدرة الدفاعات الصاروخية الباليستية على مواكبة سباق التسلُّح الجديد مع روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية.
استنزاف الصورايخ
وقدَّر تقييم حديث، أجراه مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، أن الولايات المتحدة استخدمت نحو ثلثي مخزون «باتريوت» الذي كان لديها قبل الحرب الإيرانية، ونحو 40 في المائة من مخزون «ثاد».
وبحسب التقارير، تراجع مخزون صواريخ «باتريوت» الاعتراضية من نحو 2330 صاروخًا إلى نحو 800، بينما انخفض مخزون «ثاد»، القادر على إسقاط الصواريخ القادمة على ارتفاعات أعلى خارج الغلاف الجوي، من 452 إلى نحو 250 صاروخًا.
وتصنع المصانع الأمريكية نحو 650 صاروخ «باتريوت» اعتراضيًا سنويًا، بتكلفة تبلغ نحو 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، بينما كانت تُنتج حتى وقت قريب نحو 96 صاروخ «ثاد» اعتراضيًا سنويًا، بتكلفة تقارب 16 مليون دولار للصاروخ.
وتستخدم 19 دولة حاليًا نظام «باتريوت»، بينها ألمانيا وبولندا وأوكرانيا واليابان، وتعتمد هذه الدول تقريبًا على الإنتاج وسلاسل الإمداد الأمريكية، ما يجعل أي نقص في الولايات المتحدة نقصًا عالميًا فعليًا.
سباق الصواريخ
يقول المحللون إن الوضع أكثر إلحاحًا مع تكثيف روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية إنتاج الصواريخ، وفي سباق التسلُّح بين الصواريخ الباليستية والدفاعات المُصمَّمة لاعتراضها، يتخلّف الجانب الدفاعي عن الركب.
وتملك الصين بالفعل نحو 3000 صاروخ باليستي، بينما يُقال إن روسيا قادرة على إنتاج 120 صاروخًا شهريًا، أي ما يقارب ضعف معدل إنتاج صواريخ «باتريوت» الحالي. كما تزوّد كوريا الشمالية موسكو بصواريخها الخاصة.
وتزداد الفجوة بسبب العقيدة العسكرية الأمريكية الحالية، التي تقوم على إطلاق صاروخين اعتراضيين على كل صاروخ قادم؛ بهدف زيادة فرص إصابته وتدميره قبل وصوله إلى هدفه.
أولوية المخزون
قال أشا بروخمان، من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، إن الولايات المتحدة ليست مُعرَّضة لخطر نفاد مخزوناتها، لكنها تقترب من نقطة تضطر فيها إلى تحديد الأولويات وإعادة توزيع المخزونات بين مناطق العمليات المختلفة.
ولم تَعُد افتراضات التخطيط المتعلقة بعدد الصواريخ اللازمة لدعم نزاعات متعددة في مناطق مختلفة صالحة، وهو ما يمكن أن يدفع القادة الأمريكيين في المحيط الهادئ إلى التنافس على المخزونات مع نظرائهم في الشرق الأوسط وأوروبا.
فازت شركة لوكهيد مارتن، الشهر الماضي، بعقد مدته سبع سنوات بقيمة 58.6 مليار دولار، بهدف مضاعفة إنتاج أحدث طراز من صواريخ «باتريوت» الاعتراضية ثلاث مرات بحلول نهاية عام 2030.
وتمتلك إسرائيل وكوريا الجنوبية وفرنسا وإيطاليا أنظمة محلية الصنع، يمكنها في نهاية المطاف سد بعض الفجوات، لكن قدرتها الصناعية محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة.
ثغرة الحرب
ومع ارتفاع أعداد الصواريخ الباليستية، يزيد الضغط على الدول الغربية لتوسيع قدراتها الدفاعية في مواجهة نمو الترسانات المنافسة، إذ يستثمر الروس والإيرانيون والصينيون والكوريون الشماليون بكثافة في الصواريخ، ما يفرض على نظرائهم الغربيين الاستثمار في الدفاعات الصاروخية الباليستية.
وحسب "ذا تليجراف"، تحاول الدول الأربع المُنتِجة للصواريخ استخلاص الدروس من الأحداث الجارية في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وقياس مدى قوة الدفاعات الصاروخية وقدرتها على التعامل مع الهجمات المختلفة.
وتكشف الحرب الحالية أن القدرة الدفاعية لا ترتبط بعدد الأنظمة الموجودة فحسب، وإنما بقدرة الدول على إنتاج صواريخ الاعتراض ومكوناتها بالسرعة التي تتطلبها حرب طويلة وهي مخزونات يتطلب تعويضها سنوات عديدة، إذ يمكن أن يتعثر الإنتاج بسبب نقص المكونات والمواد شديدة التخصص، مثل رؤوس التوجيه والإلكترونيات ومحركات الصواريخ.
قالت جينيفر كافانا، من مؤسسة "أولويات الدفاع"، وهي مركز أبحاث أمريكي، إن عدم التوافق بين أعداد الصواريخ والصواريخ الدفاعية قد يصبح عاملًا مؤثرًا في طريقة تعامل الغرب وحلفائه مع العدوان والتدخل والاستفزاز في ما يسمى «المنطقة الرمادية»، الواقعة دون عتبة الصراع المباشر.
وأكدت كافانا أنها لا تعتقد أن هذا النقص سيكون العامل الحاسم، ولا أنه سيدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى اتخاذ قرار بغزو أوروبا، أو الرئيس الصيني شي جين بينج إلى اعتبار أن الوقت مناسب للاستيلاء على تايوان.
لكنها ترى أن النقص سيدفع الولايات المتحدة وحلفاءها في آسيا وأوروبا إلى مزيد من الحذر في التعامل مع أنشطة «المنطقة الرمادية»؛ لأن خوض الحرب يصبح أكثر كُلفةً عندما لا تتوافر الدفاعات المناسبة، ما يفرض قدرًا أكبر من الحذر وتجنب التصعيد. نحو ستة أشهر من الحرب كانت كفيلة لاستنزاف مخزونات صواريخ «باتريوت» و«ثاد» الأمريكية لاعتراض الصواريخ الإيرانية، لتفتح ثغرة جديدة في الدفاعات الأوربية أمام العالم دون تعمُّد من واشنطن، في وقت يتصاعد فيه إنتاج الصواريخ لدى روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية.