الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

أم كلثوم فتحت الباب.. حليم وداليدا يقودان عودة المسرح الغنائي في مصر

  • مشاركة :
post-title
المطرب المصري الراحل عبد الحليم حافظ

القاهرة الإخبارية - ولاء عبد الناصر

يبدو أن نجوم الزمن الجميل وجدوا طريقًا جديدًا للعودة إلى الجمهور، ليس عبر شاشات السينما أو حفلات إحياء التراث، وإنما من خلال خشبة المسرح التي تمنح سيرتهم حياة مختلفة. ففي السنوات الأخيرة، بدأ المسرح الغنائي يستعيد بريقه من خلال أعمال تتناول حياة رموز الغناء، وتعيد تقديمهم للجمهور في قالب يجمع بين الدراما والموسيقى والاستعراض، مع محاولة الاقتراب من الجانب الإنساني الذي ظل بعيدًا عن الصورة المثالية التي ارتبطت بهؤلاء النجوم.

وبعد تجربة "أم كلثوم.. دايبين في صوت الست"، التي قدمت سيرة كوكب الشرق من منظور إنساني وفني، تتجه الأنظار إلى مشروعات جديدة تستعيد أسماء أخرى صنعت تاريخ الأغنية العربية، من بينها "حليم.. آخر زمن الرومانسية"، عن عبد الحليم حافظ، و"داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي"، التي تقدم تجربة مصرية فرنسية عن حياة النجمة العالمية داليدا.

ويبدو أن المسرح الغنائي أمام فرصة جديدة لاستعادة مكانته، لكن السؤال يبقى: هل يستطيع نجوم الزمن الجميل أن يصنعوا نجومية جديدة على خشبة المسرح، ويجذبوا جمهورا لم يعش زمنهم؟

أم كلثوم
اتجاه جديد في توظيف المسرح

قال الناقد المصري أشرف عبد الرحمن، في تصريحات لموقع "القاهرة الإخبارية"، إن الفترة الأخيرة شهدت ظهور عدد من المسرحيات التي تحمل طابعًا غنائيًا، وتتناول السيرة الفنية والشخصية لعدد من نجوم الغناء الكبار، من بينهم أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وداليدا، إلى جانب تجارب سابقة تناولت سيرة الفنان سيد درويش.

وأوضح أن هذه التجارب لا يمكن اعتبارها عودة كاملة للمسرح الغنائي بمفهومه التقليدي، وإنما تمثل اتجاهًا جديدًا في توظيف المسرح كوسيلة لتوثيق حياة الفنانين الكبار، مشيرًا إلى أن توثيق سير هؤلاء النجوم كان يتم في السابق من خلال الأفلام الوثائقية أو الأعمال الدرامية، كما حدث في أعمال تناولت سير أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وسيد درويش.

وأضاف أن الجديد في هذه التجارب هو تقديم السيرة الفنية على خشبة المسرح، من خلال سرد محطات مهمة من حياة الفنان، بالتوازي مع تقديم مقاطع من أشهر أغانيه، وهو ما يمنح العرض طابعًا توثيقيًا غنائيًا في الوقت نفسه، ويقدم للجمهور تجربة مختلفة عن الشكل التقليدي للأعمال التي تتناول سير المشاهير.

حالة الحنين إلى الماضي

وأشار الناقد المصري إلى أن هذا النوع من المسرحيات نجح في جذب الجمهور بصورة لافتة، خاصة في ظل حالة الحنين إلى المسرح الغنائي، الذي كان حاضرًا بقوة على مدار عقود طويلة، قبل أن يتراجع تدريجيا مع انتشار السينما وتطورها.

وأكد أن الجمهور بطبيعته يميل إلى الحنين للماضي، موضحًا أن التطور الكبير الذي تشهده الفنون ووسائل العرض يدفع في بعض الأحيان إلى إعادة اكتشاف أشكال فنية قديمة وتقديمها برؤية جديدة تتناسب مع العصر.

وشدد على أن هذه التجارب لا تعني بالضرورة عودة المسرح الغنائي بشكل شامل، وإنما تمثل شكلًا جديدًا من أشكال المسرح يقوم على توثيق حياة النجوم واستعادة أعمالهم الفنية من خلال مزيج يجمع بين التمثيل والغناء والسرد التاريخي.

ولفت إلى أن تناول سير أم كلثوم وعبد الحليم حافظ يواجه تحديًا كبيرًا، نظرًا لأن الجمهور يعرف بالفعل الكثير عن أعمالهما وأغانيهما وحياتهما الفنية، وهو ما دفع صناع هذه الأعمال إلى البحث عن جوانب أخرى في حياتهما، بما فيها الجوانب الشخصية والإنسانية، الأمر الذي أدى إلى اختلاف الآراء حول بعض المعالجات الدرامية.

وأوضح أن هناك انقسامًا بين الجمهور بشأن الطريقة التي عُرضت بها بعض التفاصيل، خاصة عندما تتطرق الأعمال إلى الجوانب السلبية في حياة هذه الشخصيات، مؤكدًا أن المسرح يتيح تقديم هذه السير بصورة مختلفة وأكثر تكثيفًا، وهو ما ساهم في جذب قطاع كبير من الجمهور.

كما أشار إلى أن التطور التقني لعب دورًا مهمًا في منح هذه العروض مزيدًا من الجاذبية، من خلال توظيف الإضاءة الحديثة، والتصوير، والديكور، وتقنيات الهولوجرام وغيرها من عناصر الإبهار البصري، وهو ما خلق حالة من المزج بين أجواء المسرح وروح السينما، وأضفى على العروض طابعًا بصريًا معاصرًا.

الدقة والموضوعية

وأكد أشرف عبد الرحمن أنه ليس ضد تقديم هذه النوعية من المسرحيات، بل يرى أنها تجربة تستحق الاهتمام، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة التعامل بحذر ومسؤولية مع سير الرموز الفنية، بحيث يتم عرض الجوانب الإيجابية والسلبية في حياتهم دون الإساءة إلى صورتهم أو تشويه إرثهم الفني.

واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية الالتزام بالدقة والموضوعية عند تناول الجوانب السلبية في حياة هؤلاء الفنانين، خاصة أن بعض التفاصيل المتداولة لم يتم توثيقها بصورة حقيقية وكافية، وبالتالي لا ينبغي المبالغة في إبرازها أو تقديمها باعتبارها حقائق ثابتة، حتى لا تتحول الأعمال الفنية التي تهدف إلى تخليد هؤلاء النجوم إلى وسيلة لتشويه صورتهم لدى الجمهور.

داليدا
عودة المسرح الغنائي

فيما قال الناقد المصري أحمد السماحي، في تصريحات لموقع "القاهرة الإخبارية"، إن عودة المسرح الغنائي إلى مصر تمثل حدثًا فنيًا مهمًا، مؤكدًا أن المسرح المصري نشأ في الأساس غنائيًا، وشهد في بداياته نهضة فنية كبيرة ارتبطت بعدد من أبرز رموز الموسيقى والغناء في تلك الحقبة.

وأوضح أن أسماء كبيرة مثل سيد درويش، وزكريا أحمد، وداود حسني، وكامل الخلعي، لعبت دورًا بارزًا في تأسيس المسرح الغنائي وترسيخ حضوره في الحياة الفنية المصرية، قبل أن يبدأ هذا اللون في التراجع تدريجيًا مع بداية خمسينيات القرن الماضي.

وأضاف أن المسرح الغنائي شهد منذ ذلك الوقت تجارب محدودة ومتفرقة، إلا أن حضوره ظل ضعيفًا مقارنة بما كان عليه في بدايات القرن الماضي، مؤكدا أن الساحة المصرية لم تشهد، على مدار عقود طويلة، عودة حقيقية وقوية لهذا النوع من المسرح.

تجارب مهمة

وأشاد الناقد المصري بتجربة الكاتب مدحت العدل في تقديم مسرحية عن سيدة الغناء العربي أم كلثوم، معتبرًا أنها من التجارب المهمة التي أسهمت في إعادة إحياء المسرح الغنائي، ونجحت في تقديم صورة تليق بقيمة ومكانة كوكب الشرق.

وقال إنه شاهد مسرحية "أم كلثوم"، ثلاث مرات، وأعجب بها كثيرًا، مشيدًا بما قدمه مدحت العدل من معالجة وصفها بأنها عظيمة، لافتًا إلى أن العمل استطاع تقديم صورة مشرفة لأم كلثوم، كما نجح في تمثيل مصر ضمن فعاليات مهرجان جرش في الأردن.

وأشار إلى أن قوة المسرحية لم تكن في الاعتماد على أغاني أم كلثوم فقط، وإنما في تقديم تجربة مسرحية متكاملة تستعيد جوانب من حياتها وشخصيتها ومسيرتها الفنية، وهو ما منح العمل خصوصية وجاذبية لدى الجمهور.

وأعرب عن أمنياته بأن تأتي مسرحية "حليم"، للكاتب مدحت العدل، بالمستوى نفسه من النجاح والتميز الذي حققته مسرحية "أم كلثوم"، وأن تقدم سيرة عبد الحليم حافظ بصورة تليق بقيمته الفنية والجماهيرية.

نموذج مختلف للمسرح

كما أشاد بتجربة مسرحية "داليدا"، معتبرًا أنها تقدم نموذجًا مختلفًا للمسرح الغنائي، إذ تجمع بين مصر وفرنسا من خلال استعادة سيرة الفنانة العالمية ذات الجذور المصرية، في تجربة يقودها المخرج خيري بشارة، وتشارك في بطولتها السوبرانو المصرية فرح الديباني.

وأكد أن هذه التجارب تمثل إضافة حقيقية للمشهد الفني المصري، وتفتح الباب أمام إعادة تقديم المسرح الغنائي برؤية معاصرة تستفيد من عناصر المسرح الحديثة، وتعيد الجمهور إلى هذا اللون الفني الذي ارتبط تاريخيًا بواحدة من أهم مراحل ازدهار الحركة الفنية في مصر.

واختتم أحمد السماحي بالتأكيد على أن تجارب "أم كلثوم"، و"حليم" و"داليدا"، وغيرها من الأعمال التي تستعيد سير كبار الفنانين، يمكن أن تمثل نواة لمرحلة جديدة في المسرح المصري، تعيد للمسرح الغنائي حضوره، وتقدم للجمهور مزيجًا يجمع بين الدراما والموسيقى والغناء والتاريخ الفني.