اتجه عدد من أبناء المطربين للسير على نهج آبائهم وسلكهم طريق الفن، فشهدت الساحة الفنية مؤخرًا مشهدًا متكررًا، إذ يبقى السؤال حاضرًا: هل اتجاه هؤلاء الأبناء للغناء فرصة حقيقية لإضافة أصوات حقيقية أم فرصة لمنحهم طريقًا مختصرًا إلى الشهرة دون أن يضمن لهم بالضرورة الاستمرار والنجاح؟
مؤخرًا، أثار الفنان أحمد سعد تقديم ابنته جودي في أول دويتو غنائي يجمعهما حالة من الجدل حول ظاهرة "توريث الفن"، خاصة أن دخول أبناء النجوم إلى المجال الفني يضعهم منذ اللحظة الأولى أمام معادلة صعبة، فالأبواب تكون أكثر انفتاحًا أمامهم، لكن المقارنة مع الآباء تصبح حاضرة منذ أول خطوة، بينما يبقى التحدي الأكبر هو القدرة على إثبات الذات بعيدًا عن الاسم العائلي.
ظاهرة قديمة تتجدد
وجود أبناء الفنانين في الوسط الفني ليس ظاهرة وليدة السنوات الأخيرة، وإنما يمتد إلى عقود طويلة، شهد خلالها الوسط الفني نماذج نجحت في تحويل الدعم الأسري إلى انطلاقة حقيقية، وأخرى لم تستطع تجاوز حدود اسم العائلة.
ومن أبرز النماذج الفنانة أنغام، ابنة الموسيقار محمد علي سليمان، التي بدأت مشوارها الفني بدعم والدها، لكنها نجحت مع الوقت في بناء شخصية فنية مستقلة، حتى تجاوزت لقب "ابنة محمد علي سليمان" وأصبحت واحدة من أبرز الأصوات النسائية في العالم العربي.
وتكرر الأمر مع الفنان الشعبي أحمد عدوية، الذي دعم نجله محمد عدوية في بداياته، قبل أن يسعى الأخير إلى تقديم مشروعه الغنائي الخاص، واختيار أسلوب مختلف نسبيًا عن تجربة والده، رغم استمرار المقارنات بين الاثنين.
وفي لبنان، ظهر محمد فضل شاكر في أكثر من تجربة غنائية مستفيدًا من حضور والده الفنان فضل شاكر، بينما ظل اسمه مرتبطًا بتجربة والده في نظر قطاع من الجمهور.
وخلال السنوات الأخيرة، برز كذلك حضور أبناء الفنان عمرو دياب في المشهد الموسيقي، إذ دخلت ابنته جنى عالم الغناء، إلى جانب ظهور نجله عبدالله في تجارب موسيقية، لتتجدد التساؤلات حول حدود الدعم العائلي، ومتى يتحول من فرصة إلى عبء.
تقديم الابن للجمهور مقبول
يرى الناقد الموسيقي اللبناني جمال فياض أن دعم الفنان لأبنائه في بداية مشوارهم أمر طبيعي، لكنه يحذر من تحول هذا الدعم إلى وسيلة دائمة لإبقاء الابن تحت أضواء الأب، مؤكدًا أن الفنان الشاب يحتاج في مرحلة ما إلى خوض تجربته الخاصة بعيدًا عن نفوذ والده وشهرته.
وأضاف، في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، إن تقديم الفنان لابنه أو ابنته من خلال عمل فني واحد يمكن أن يكون خطوة طبيعية لتعريف الجمهور به، إلا أن تكرار الأمر في كل عمل أو حفل قد يتحول إلى عامل سلبي يؤثر على صورة الابن أكثر مما يساعده.
وأوضح أن الجمهور بطبيعته يحب أن يكتشف الفنان بنفسه، ولا يفضل أن يشعر بأن موهبة معينة تُفرض عليه بسبب شهرة الأب أو نفوذه، مشيرًا إلى أن الدعم المفرط قد يخلق كذلك شعورًا بالغيرة بين أبناء الجيل الواحد، خصوصًا عندما يبدو أن أبناء النجوم يمتلكون طريقًا أكثر سهولة إلى الأضواء.
الخروج من عباءة الأب
ويؤكد جمال فياض أن المشكلة الأساسية لا تكمن في أن يبدأ الفنان من خلال والده، وإنما في قدرته على تجاوز هذه البداية لاحقًا، والخروج من عباءة الأب لبناء هوية فنية مستقلة.
وأشار إلى أن كثيرًا من أبناء الفنانين امتلكوا بالفعل مواهب حقيقية، لكن بعضهم لم يتمكن من تحقيق النجاح الذي حققه آباؤهم بسبب استمرار ارتباطهم باسم العائلة وعدم تقديم مشروع فني مستقل.
واستشهد بتجربة أنغام، معتبرًا أن انطلاقتها الحقيقية جاءت مع استقلالها الفني عن والدها الموسيقار محمد علي سليمان، كما أشار إلى تجربة محمد عدوية الذي اتجه إلى لون غنائي خاص به، وهو ما ساعده على تكوين قاعدة جماهيرية مرتبطة بتجربته الشخصية.
وأضاف: "إذا ظل الأب يدعم ابنه بشكل مستمر ويصطحبه إلى المسرح في كل مناسبة، فلن يحقق ذلك النتيجة المرجوة، لأن الجمهور يحب الفنان العصامي الذي يشق طريقه بنفسه".
نجل فضل شاكر
وعن تجربة محمد فضل شاكر، يرى جمال فياض أن ظروف والده الفنان فضل شاكر وابتعاده عن الساحة الفنية لفترة طويلة أسهمت في خلق حالة من التعاطف مع نجله، إلى جانب امتلاك محمد موهبة وصوتًا مميزًا ساعداه على تثبيت حضوره.
وأعرب عن أمله في أن يتمكن محمد فضل شاكر من الحفاظ على نجاحه، خصوصًا مع عودة والده إلى النشاط الفني، وما يمكن أن تفرضه هذه العودة من مقارنات جديدة بين الأب والابن.
عاصي الحلاني والوليد
وتطرق فياض إلى تجربة الفنان عاصي الحلاني في دعم نجله الوليد الحلاني، كاشفًا أنه سبق أن انتقد طريقة تقديمه في بداياته، معتبرًا أن ظهوره في فيديو كليب بإنتاج ضخم وسيارات فارهة لم يكن مناسبًا لفنان لا يزال في أولى خطواته.
وقال: "الفنان في بداية مشواره يجب أن يقترب من الناس، لا أن يظهر بصورة النجم المكتمل منذ أول عمل. لذلك أرى أن ترك عاصي الحلاني لابنه ليكمل طريقه بنفسه كان قرارًا صحيحًا يصب في مصلحته".
زياد الرحباني
وفي المقابل، يرى فياض أن تجربة زياد الرحباني تقدم نموذجًا لافتًا لفنان استطاع مبكرًا أن يفصل مشروعه عن إرث عائلته، رغم انتمائه إلى واحدة من أشهر العائلات الفنية العربية.
وأوضح أن زياد ابتعد مبكرًا عن مدرسة الأخوين الرحباني، وبدأ في تأسيس مشروعه الموسيقي الخاص، حتى أصبحت والدته الفنانة فيروز تستعين بأعماله، وليس العكس.
وأشار إلى أن زياد أسهم في تجديد المسيرة الفنية لفيروز بعد انتهاء مرحلة الأخوين الرحباني، وقدم لها لونًا موسيقيًا مختلفًا حافظ على حضورها الفني، مؤكدًا أنه لو ظل يعمل تحت مظلة والده وعمه، لما استطاع الوصول إلى هذا القدر من الاستقلال والتميز.
ويلخص فياض رؤيته في أن اسم الأب داخل الوسط الفني يمثل "سيفًا ذا حدين"، إذ يمكن للشهرة العائلية أن تفتح الأبواب وتمنح الابن فرصة الظهور، لكنها لا تستطيع أن تضمن له الاستمرار.
وأوضح: "الأب يستطيع أن يضع ابنه على الشاشات، لكنه لا يستطيع أن يضعه في قلوب الناس، محبة الجمهور تكتسب بالموهبة والاجتهاد والاستقلالية، وليس بالاعتماد على اسم العائلة".
وأكد أن الفنان الحقيقي هو من يستطيع مواجهة التحديات وصناعة نجاحه بنفسه، مشيرًا إلى أن الدعم الأسري المتواصل قد يتحول مع الوقت إلى عبء على الأبناء، وربما يدفع الجمهور إلى النفور منهم إذا شعر بأنهم يعتمدون بصورة كاملة على إرث آبائهم.
واستشهد بتجربة الفنان الراحل عبدالحليم حافظ، الذي جمع بين الموهبة وقصة الكفاح، فتمكن من الوصول إلى مكانة استثنائية في قلوب الجمهور.
دعم الأبناء تقليد فني قديم
على الجانب الآخر، يرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن تقديم الفنان أبناءه إلى الجمهور لا يمكن اختزاله في مفهوم "توريث الفن"، مؤكدًا أن الظاهرة قديمة، وأن دعم الأب لابنه أو ابنته في بداية المشوار حق طبيعي، طالما يمتلك الابن الموهبة التي تؤهله للاستمرار.
أضاف أن تاريخ الفن المصري والعربي يضم عشرات النماذج التي حرص فيها الفنانون على مساندة أبنائهم وأقاربهم، مستشهدًا بالفنان زكي مراد الذي قدم ابنته ليلى مراد وابنه منير مراد إلى الساحة الفنية، وكذلك عليا المنذر التي ساعدت نجليها فريد الأطرش وأسمهان، إلى جانب دعم أم كلثوم لابن شقيقها إبراهيم في بداياته الفنية، والموسيقار رياض السنباطي الذي قدم نجله أحمد السنباطي.
وأكد أن هذه النماذج تؤكد أن مساندة الأبناء ليست ظاهرة مستحدثة، وإنما جزء من تقاليد الوسط الفني، موضحًا: "أرى أن دعم الأب لابنه أو ابنته واجب، فلا يعقل أن يمتلك الابن موهبة، ولو كانت في بدايتها، ثم يبخل عليه والده بخبراته وتجربته الطويلة في الحياة والفن".
الموهبة وحدها تكمل الطريق
وشدد أحمد في الوقت نفسه على أن الدعم العائلي لا يمكن أن يصنع نجمًا من دون موهبة حقيقية، موضحًا أن تاريخ الفن شهد أبناء نجوم حصلوا على كل أشكال المساندة، لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق النجاح، بينما استطاع آخرون فرض أنفسهم بفضل امتلاكهم أدوات فنية حقيقية.
وأضاف: "شاهدنا أبناء فنانين لم يحققوا النجاح، لأنهم لم يمتلكوا الموهبة الكافية، وفي المقابل رأينا أبناء نجوم خطفوا الأنظار وأصبحوا نجومًا في الغناء والتمثيل، لأن موهبتهم فرضت نفسها على الجمهور".
ويرى السماحي أن الموهبة تظل العامل الحاسم في تحديد مصير أي فنان، مهما كان اسم عائلته، موضحًا أن الأب يمكنه أن يمنح ابنه فرصة أولى، لكنه لا يستطيع أن يضمن له مكانًا دائمًا في المشهد.
وقال: "العامل الوحيد الذي يحسم استمرار الفنان هو الموهبة، فعندما تكون الموهبة حاضرة وقوية، فإنها تفرض نفسها وتمنح صاحبها القدرة على الاستمرار لسنوات طويلة. أما تقديم الأب لابنه فهو مجرد دعم في البداية، لكن النجاح الحقيقي يحدده الجمهور، ولا يصنعه اسم العائلة وحده".