فتح إقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستحالة ترشحه لولاية ثالثة دستوريًا الباب أمام سباق محتدم داخل الحزب الجمهوري على خلافته ووراثة حركته الشعبوية "ماجا"، وفي هذا الصدد كشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن المشهد بات يتشكّل بهدوء بعيدًا عن الأضواء، مع تصاعد الصراع بين وجوه بارزة تتنافس على موقع الوريث الشرعي لأقوى حركة شعبوية شهدتها الولايات المتحدة في عقود، في ظل عدم إغلاق ترامب الباب بعد على دعم أي من المرشحين المحتملين.
الوريث الأوفر حظًا
يقف نائب الرئيس جي دي فانس في صدارة المشهد بوصفه الوريث الطبيعي الأقرب إلى ترامب، بعد أن راكم رصيدًا سياسيًا لافتًا عبر ملفات شائكة، إذ أشرف على مفاوضات الاتفاق مع إيران، وقاد في الوقت ذاته حملة داخلية لمكافحة الاحتيال في المزايا الفيدرالية.
وأبدت كاثي بيرنير، نائبة رئيس الحزب الجمهوري في مقاطعة شيبيوا بولاية ويسكونسن، دعمها الصريح له، مؤكدةً لصحيفة واشنطن بوست أنها ستصوت له "بكل ارتياح"، ومُشيدةً بخبرته الدولية المتراكمة التي تجعله بعيدًا عن نمط نائب الرئيس "المتفرج".
غير أن صعود فانس لم يكن بلا ثمن، إذ اتسعت دائرة معارضيه لتشمل مانحين مؤيدين لإسرائيل، وشريحة من اليمين المتشدد الرافض لدوره في ملف إيران، فرد عليهم بعبارة لا لبس فيها: "اذهبوا إلى الجحيم".
ويزيد على ذلك خطابه المثير للجدل الذي يُدغدغ الجناح القومي الأبيض داخل الحزب، حين احتفل بأن "أمريكا دولة مسيحية"، وامتنع عن انتقاد صعود بعض التيارات ذات النزعة النازية الجديدة، وأشاد بأن البيض "لم يعودوا مضطرين للاعتذار عن هويتهم" في عهد ترامب.
وعلى الصعيد الشخصي، استقبل فانس مولوده الرابع هذا الصيف، وبات قريبًا من إعلان قراره بالترشح، فأصدر كتابًا جديدًا عن اعتناقه الكاثوليكية، ويواصل بناء علاقاته مع قيادات الحزب في الولايات المفتاحية.
وبحسب واشنطن بوست، أبلغ ترامب مانحين بشكل سري دعمه فانس، دون أن يُغلق الباب علنًا أمام خيارات أخرى.
غير أن حظوظ فانس ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما ستُسفر عنه انتخابات التجديد النصفي المقبلة، فإن حقق الديمقراطيون موجة اكتساح وسيطروا على مجلسَي الكونجرس والمجالس التشريعية للولايات، فإن ذلك سيُلقي بظلاله الثقيلة على فانس باعتباره الوجه الأبرز لإدارة ستُوصف بأنها "غير شعبية".
وهو ما لخصه المحلل السياسي الجمهوري دنيس لينوكس، لصحيفة واشنطن بوست، بقوله: "إن كان الجمهوريون سيُلحَق بهم هزيمة ساحقة في نوفمبر، فهذا يضر فانس ويُفيد ماركو روبيو (وزير الخارجية) بشكل مباشر".
المحافظ التقليدي
على الجانب الآخر، يُعد وزير الخارجية ماركو روبيو المنافس الأكثر جاهزية في حال تعثر فانس، وإن كان قد أعلن دعمه له رسميًا، إذ إنه يجمع في يديه ملفات استثنائية، بين وزير خارجية ومستشار للأمن القومي، والرجل الفعلي المسيطر على المشهد الفنزويلي، وهو حمل ثقيل يجعل ترشحه الرئاسي مشروطًا بالتخلي عن كثير مما بناه.
لكن اتساع محفظته السياسية يجذب إليه شريحة المحافظين التقليديين الباحثين عن كفاءة تنفيذية لا عن خطاب شعبوي صاخب.
وقال "لينوكس"، لصحيفة واشنطن بوست: "ليس الأمر فقط أنه قادر على إيقاف فانس، بل أنه سبق له الترشح وأثبت قدرته على إدارة عبء هائل بكفاءة"، غير أن طبيعة روبيو السياسية الأقرب إلى المحافظة الكلاسيكية تجعل بعض المحللين يتساءلون: هل سيتخلى الجمهوريون عن "ماجا" بسهولة؟
وجوه الصف الثاني
رصدت "واشنطن بوست" جملةً من الأسماء التي تضع نفسها في خانة البديل الجاهز حال أُغلقت أبواب فانس وروبيو، إذ إن السيناتور تيد كروز يجهز أوراقه بوضوح في مواجهة فانس، منتقدًا توجهاته الانعزالية في السياسة الخارجية خلف الأبواب المغلقة، وداعيًا علنًا إلى طرد المعلق تاكر كارلسون من الدائرة الجمهورية بسبب تعاطفه المزعوم مع أفكار متطرفة، ومطالبًا ترامب بتسليح المحتجين الإيرانيين.
في المقابل، يُلون السيناتور جوش هاولي خطابه بنبرة شعبوية اقتصادية مميزة، إذ رفض تقليصات "ميديكيد" التي تُهدد المستشفيات الريفية، وعارض تشريعات العملات الرقمية المواتية للصناعة، وصوت لتقييد تدخل ترامب في فنزويلا، وبرز مدافعًا قويًا في مواجهة التوسع المتسارع لمراكز البيانات.
أما السيناتور توم كوتون فيحمل سجلًا محافظًا صارمًا جعله مرشحًا جديًا لمنصب نائب الرئيس سابقًا.
ومن بوابة المناصب التنفيذية، لا يزال حاكم فلوريدا رون ديسانتيس حاضرًا في المعادلة، مستثمرًا قاعدته الشعبية ومنبر "فوكس نيوز" رغم خسارته أمام ترامب عام 2024، وإن كان انتهاء ولايته الحاكمة عام 2027 يُلقي بتساؤلات حول قدرته على بناء زخم رئاسي من خارج المنصب.
البدائل خارج "ماجا"
لا يستبعد المحللون أن يفاجئ تاكر كارلسون الجميع، إذ إن المعلق الذي قطع علاقته بترامب وندم على "تضليل الناس"، يملك ورقة رابحة إن طال أمد الحرب الإيرانية وانتهت بخسارة.
وقال الصحفي جيسون زينجيرلي، صاحب السيرة الذاتية الحديثة لكارلسون، في تصريح لمجلة بوينتر: "الحرب على إيران تضعه في موقع ممتاز، إذ يستطيع تحميل فانس وروبيو وزرها والقول: أنا من كان ضدها من البداية، وأنا الوريث الحقيقي لـ(ماجا)".