على الرغم من استمرار المساعي الدبلوماسية لتهدئة الجبهة اللبنانية، فإن حزب الله يعمل على إحداث تحولات جذرية في تكتيكاته العسكرية معتمدًا على الطائرات المسيّرة المزودة بتقنية الألياف الضوئية، ما أثار ذعرًا في الداخل الإسرائيلي.
وبحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية، ظهرت المسيّرات في ترسانة حزب الله اللبناني للمرة الأولى في مارس الماضي، بالتزامن مع استئناف عملياتها ردًا على الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
وذكر تقرير نشره مرصد بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، استخدم حزب الله طائرات FPV المزودة بالألياف الضوئية في 21% من الهجمات التي نفّذها خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، كما ظهرت في أكثر من نصف الهجمات التي أكد أنها أسفرت عن إصابات في صفوف قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي.
استخدام مكثف للمسيّرات
ولم يقتصر التغيير على طائرات FPV، إذ ارتفعت أيضًا حصة الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، المعروفة أحيانًا باسم "المسيّرات الانتحارية، إلى نحو 24% من هجمات حزب الله، مقارنة بـ6% فقط خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2024، عندما تصاعدت المواجهات بعد التوغل الإسرائيلي عبر الحدود.
كما ارتفع إجمالي عمليات حزب الله بمختلف أنواعها، بما في ذلك إطلاق الصواريخ، من نحو 163 عملية شهريًا خلال الفترة السابقة إلى نحو 199 عملية شهريًا في المرحلة الأحدث من القتال.
ونقلت "نيوزويك" عن أحد الخبراء قوله، إن طائرات FPV ساعدت حزب الله على إبقاء القوات الإسرائيلية تحت ضغط عسكري في جنوب لبنان، والتسبب في خسائر، وتنفيذ هجمات من مسافات أبعد بواسطة مشغلين يصعب تحديد مواقعهم.
وأضاف أن هذه الطائرات تؤدي أيضًا دورًا نفسيًا، إذ تسعى إلى إظهار قدرة الحزب على الوصول إلى القوات الإسرائيلية رغم الخسائر التي تعرض لها، وإرهاق أنظمة الدفاع الجوي وتشتيت الطيران الإسرائيلي.
وأدى تصاعد استخدام حزب الله للمسيّرات إلى تغيير بعض تكتيكات الجيش الإسرائيلي، الذي بدأ بدوره في تطوير وسائل لمواجهة هذا النوع من التهديدات. ففي مايو الماضي، كشف مسؤول في الجيش الإسرائيلي أن اللواء التكنولوجي للقوات البرية بدأ تزويد القوات الموجودة في لبنان بشباك معدنية مخصصة للحماية من الطائرات المسيّرة المحملة بالمتفجرات.
وبحسب الجيش الإسرائيلي، كان قد تم توفير نحو 158 ألف متر مربع من الشباك، بما يعادل مساحة نحو 20 ملعبًا لكرة القدم، مع وجود 188 ألف متر مربع إضافية في طريقها إلى القوات.
دروس من أوكرانيا
يأتي اعتماد حزب الله على الألياف الضوئية في إطار محاولاته المتكررة لتطوير أساليب لمواجهة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي. وخلال حرب عام 2006، استخدم الحزب صواريخ "كورنيت" الروسية المضادة للدبابات لاستهداف دبابات ميركافا الإسرائيلية. وبحلول عام 2015، طوّر منظومة تضم قاذفي كورنيت أطلق عليها اسم "ثار الله"، بهدف التعامل مع أنظمة الحماية النشطة التي تستخدمها المدرعات الإسرائيلية.
ومنذ اندلاع مواجهة واسعة جديدة مع إسرائيل في أكتوبر 2023، استخدم حزب الله أيضًا صاروخ "ألماس-1" الإيراني المضاد للدروع، الذي يعتقد أنه طوُّر استنادًا إلى تقنيات مرتبطة بمنظومة "سبايك NLOS" الإسرائيلية.
لكن التطورات في ساحة القتال دفعت الحزب إلى البحث عن أسلحة وأساليب جديدة، خصوصًا بعدما أثبتت الأنظمة التقليدية محدوديتها أمام الضربات الإسرائيلية المكثفة واستخدام الطائرات المسيّرة.
ويرى محلل الشؤون الدفاعية حمزة عطار أن حزب الله اضطر إلى استخلاص دروس من الحرب في أوكرانيا، خصوصًا بعدما أصبحت خسارة مشغلي الأسلحة تهديدًا كبيرًا لقدراته.
وتمنح طائرات الألياف الضوئية ميزة إضافية، إذ يمكنها العمل من دون الاعتماد على إشارات لاسلكية تقليدية، ما يقلل تعرضها للتشويش الإلكتروني ويجعل تحديد موقع مشغليها أكثر صعوبة.