في وقت تتجه فيه دول متزايدة حول العالم إلى فرض قيود عمرية صارمة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، اختارت اليابان حتى الآن مسارا مختلفا؛ فبدلًا من فرض حظر شامل على من هم دون سن معينة، تركز الحكومة على تشديد التحقق من أعمار المستخدمين، وتعزيز إعدادات الأمان، وإلزام شركات التكنولوجيا بتحمل قدر أكبر من المسؤولية عن حماية القاصرين.
يأتي هذا التوجه وسط مخاوف متزايدة من إدمان الهواتف الذكية، والتنمر الإلكتروني، والاستغلال الجنسي، والتعرض لمحتوى ضار أو متطرف، وهي مخاطر دفعت عددًا من الحكومات إلى التفكير في الحد من وصول الأطفال إلى المنصات الرقمية.
لكن اليابان ترى أن منع الأطفال بشكل شامل قد لا يكون الحل الأفضل، خصوصًا مع تحول الإنترنت ووسائل التواصل إلى جزء أساسي من حياتهم اليومية والتعليمية والاجتماعية، بحسب صحيفة "The Japan Times".
طريق ثالث
في يونيو الماضي، خلصت لجنة خبراء تابعة لوزارة الشؤون الداخلية والاتصالات اليابانية إلى أن فرض حد عمري موحد لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي سيكون خيارًا "غير مرغوب فيه"، داعية بدلا من ذلك إلى إجراءات أكثر صرامة للتحقق من أعمار المستخدمين، وتحسين إعدادات الحماية الافتراضية، وزيادة مسؤولية شركات التكنولوجيا.
كانت الوزارة اليابانية طرحت بالفعل مسودة إجراءات تستهدف الحد من مخاطر الإدمان المرتبط بتصميم بعض منصات التواصل، مع التأكيد على أن الحل لا ينبغي أن يعتمد فقط على منع الأطفال من الوصول إلى هذه الخدمات.
ويعكس هذا الموقف قناعة لدى عدد من الخبراء اليابانيين بأن وسائل التواصل لا تمثل خطرًا واحدًا على جميع الأطفال، وأن طبيعة المخاطر تختلف باختلاف المنصة وطريقة الاستخدام وعمر الطفل وظروفه الاجتماعية.
لماذا لا تريد طوكيو الحظر الشامل؟
ويرى مؤيدو النهج الياباني أن وسائل التواصل يمكن أن تؤدي أيضًا وظائف إيجابية بالنسبة إلى بعض الأطفال والمراهقين.
فالأطفال الذين يعيشون في مناطق نائية، أو يقضون فترات طويلة في المستشفيات، أو يجدون صعوبة في تكوين علاقات اجتماعية في محيطهم التقليدي، قد يجدون عبر الإنترنت مجتمعات ودوائر دعم لا تتوفر لهم بسهولة في العالم الواقعي.
كما يمكن للإنترنت أن يكون قناة مهمة أمام الأطفال الذين يعيشون ظروفًا أسرية صعبة أو يتعرضون للعنف أو يشعرون بعدم الأمان، إذ قد يكون التواصل الرقمي في بعض الحالات وسيلة لطلب المساعدة أو الوصول إلى أشخاص خارج دائرة الخطر.
ويحذر خبراء من أن فرض حظر شامل قد يدفع بعض الأطفال إلى التحايل على القيود أو الكذب بشأن أعمارهم، ما قد يجعل وجودهم على الإنترنت أقل وضوحًا بالنسبة إلى الآباء والمنصات والجهات المعنية بالحماية.
مسؤولية الشركات التكنولوجية
لكن رفض الحظر لا يعني أن اليابان تتبنى موقفًا متساهلًا تجاه شركات التواصل. بينما، يبدو أن الاتجاه الحكومي الحالي يسعى إلى نقل جزء أكبر من مسؤولية حماية الأطفال من الأسرة والطفل إلى الشركات التي تدير المنصات.
وتفرض العديد من المنصات الكبرى أصلًا حدًا أدنى معلنًا للعمر يبلغ 13 عامًا، إلا أن المشكلة تكمن في مدى فعالية التحقق من التزام المستخدمين بهذه الحدود.
ولهذا تبحث اليابان في آليات أكثر صرامة للتحقق من العمر، إلى جانب جعل بعض أدوات الحماية مفعلة بصورة افتراضية بدلًا من ترك مسؤولية تشغيلها للمستخدم أو والديه.
ومن بين الأفكار المطروحة الحد من وصول القاصرين إلى المحتوى غير المناسب، وتقييد بعض الخصائص التي صُممت لإبقاء المستخدم متصلًا بالمنصة لأطول فترة ممكنة.
ويتعلق أحد أبرز جوانب النقاش الياباني بتصميم المنصات نفسها. فالتمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي للمقاطع، والمكافآت المرتبطة بالاستخدام اليومي المتواصل، كلها خصائص تساعد الشركات على إبقاء المستخدمين داخل المنصة لفترات أطول.
وترتبط هذه الخصائص بما يعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، حيث تسعى المنصات إلى زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم على الخدمة، بما يعزز فرص عرض الإعلانات وتحقيق الإيرادات.
ومن هنا، يرى خبراء أن معالجة مشكلة الاستخدام المفرط لا يمكن أن تقوم على مطالبة الطفل فقط بأن يكون أكثر انضباطًا، بينما تظل المنصة مصممة لجذب انتباهه باستمرار.
كيف تتم محاسبة المنصات؟
ورغم الاتجاه نحو زيادة مسؤولية شركات التكنولوجيا، تبقى إحدى أبرز نقاط الضعف في المقترحات اليابانية هي آليات الإنفاذ.
فمن دون عقوبات قوية، قد يكون من الصعب إجبار الشركات على الاستثمار بصورة كافية في أنظمة التحقق من العمر وحماية القاصرين.
وهنا يبرز سؤال جوهري هو هل ستكتفي اليابان بوضع إرشادات وقواعد عامة، أم ستنتقل لاحقًا إلى فرض غرامات وعقوبات واضحة على المنصات التي تفشل في حماية الأطفال.
وتزداد أهمية هذا السؤال مع اتجاه دول أخرى إلى تشديد العقوبات على الشركات.
فأستراليا، التي أصبحت أول دولة تفرض حظرًا على استخدام وسائل التواصل للأطفال دون 16 عامًا، اضطرت في يونيو 2026 إلى الدفع باتجاه تشديد آليات إنفاذ الحظر بعد ظهور مؤشرات على استمرار وصول بعض الأطفال إلى المنصات بعد دخول القيود حيز التنفيذ.
كما منحت الحكومة هيئة تنظيم الإنترنت صلاحيات أكبر لملاحقة الشركات غير الملتزمة، مع رفع الحد الأقصى لبعض العقوبات.