الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

صراع السماء.. القدرات الجوية عامل الحسم في الصراع الأوكراني

  • مشاركة :
post-title
بقايا صاروح روسي بجوار أحد المباني السكنية في كييف

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

بينما يتحول خط المواجهة في أوكرانيا إلى طريق مسدود دموي، يتم تشكيل المسار المستقبلي للحرب في السماء، عبر صراع شامل يمتد من بضعة أمتار فوق خطوط الأشجار المحترقة إلى الأقمار الصناعية في مدار أرضي منخفض. وتُخلّف هذه المعارك آثارها المادية المدمرة بفعل الصواريخ والطائرات المسيّرة، مع أن جزءًا كبيرًا من المعركة يبقى خفيًا، في سباق نشر الذكاء الاصطناعي والسيطرة على طيف واسع من الموجات الراديوية.

في هجماتها من سيبيريا إلى سانت بطرسبرج، واستهداف الموانئ الروسية من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، تستخدم أوكرانيا طائرات مسيّرة متفجرة لضرب منشآت النفط الروسية. ويومًا بعد يوم، تشتعل النيران في مستودعات أكبر متاجر التجزئة الإلكترونية في روسيا، وتغرق شبه جزيرة القرم في ظلام دامس.

ووفق صحيفة "نيويورك تايمز"، تشنّ أوكرانيا غارات على روسيا بوتيرة أسرع بكثير مما كانت عليه في بداية الحرب، بما في ذلك هجمات بصواريخ كروز على أهداف عسكرية تبعد مئات الأميال عن خط المواجهة. بالمقابل، تسجل روسيا أرقامًا قياسية شهرية في هجماتها الجوية، مستغلة الثغرات في الدفاعات الجوية الأوكرانية المنهكة.

في يوليو الماضي، أطلقت موسكو ما لا يقل عن 126 صاروخًا باليستيًا، وهو رقم قياسي في زمن الحرب، وفقًا لتحليل أجرته الصحيفة لبيانات القوات الجوية الأوكرانية.

إلى جانب الخسائر البشرية، أجبرت الهجمات الروسية أوكرانيا على تعليق شحنات الحبوب والصلب من موانئها البحرية. كما أدت الهجمات إلى تدمير البنية التحتية المتضررة أصلًا، ما أثار مخاوف من أن البلاد قد تتجه نحو شتاء آخر من شُح التدفئة والكهرباء.

حرب السماء

لا تزال روسيا تسعى للسيطرة على الأراضي الأوكرانية، مُتكبدةً خسائر في أرواح عشرات الآلاف من الجنود شهريًا، وهي تتقدم ببطء في منطقة دونباس الشرقية. أما أوكرانيا، من جانبها، فلا تزال تدافع عن أراضيها وتحاول استعادة الأراضي حيثما أمكنها ذلك، بما في ذلك في الجنوب.

أما الحرب الأخرى فتأتي على شكل موجات عبر السماء. وهي تستهدف مدنًا بعيدة ومواقع عسكرية في كلا البلدين، وغالبًا ما تكون في ظلام الليل، وقد أصبحت أكثر فتكًا بالنسبة للأوكرانيين والروس على حد سواء، وتتجاوز أهداف هذه الغارات الجوية الأهداف العسكرية البحتة.

وفق تحليل الصحيفة الأمريكية "تسعى كييف إلى تعميق الأزمة الاقتصادية للكرملين، ونقل الحرب إلى روسيا، وإجبار الرئيس فلاديمير بوتين على قبول وقف إطلاق النار بشروط لا يفرضها. أما بالنسبة لموسكو، فهي استمرار لحملة استمرت لسنوات لإضعاف عزيمة الأوكرانيين وجعل المدن غير صالحة للسكن".

وتزداد حدة المعركة الجوية مع قيام كلا الجانبين بإنتاج أسلحة أكثر ابتكارًا على نطاق أوسع فأوسع. حاليًا، تُركّب روسيا محركات نفاثة على طائرات مسيّرة رخيصة الثمن مُصممة على غرار طائرة "شاهد" الإيرانية، وتُطلق كوكبة من الأقمار الصناعية لتوجيه أسلحتها، وتُطوّر صواريخ كروز منخفضة التكلفة تُسدّ الفجوة بين طائرات الهجوم المسيّرة البطيئة والصواريخ الاستراتيجية المتقدمة. وتُطلق المقاتلات الروسية قنابل انزلاقية موجهة بالأقمار الصناعية تُدمّر المدن والبلدات بشكل منهجي.

في المواجهة، تُنتج أوكرانيا ترسانة متطورة باستمرار من الطائرات المسيّرة والطائرات الهجينة الصاروخية المسيّرة المزودة بأنظمة ملاحة واتصالات متطورة تُمكّنها من توجيه ضربات أكثر دقة في جميع أنحاء روسيا، في الوقت الذي تُجري فيه أولى تجاربها على صواريخ باليستية محلية الصنع.

ويستخدم كلا البلدين أساليب جديدة لمقاومة التشويش الإلكتروني، وأنظمة ذاتية التشغيل توجه الأسلحة إلى أهدافها دون تدخل بشري.

تفتيت الدروع

تواجه أوكرانيا نقصًا حادًا في صواريخ "باتريوت" الاعتراضية الأمريكية، وهي وسيلة الدفاع الوحيدة للبلاد ضد الصواريخ الباليستية الروسية. بينما عندما فشلت روسيا في فرض سيطرتها الجوية، سارع القادة إلى نقل أنظمة دفاعية مثل "بانتسير" و"تور" إلى مناطق أقرب إلى أوكرانيا.

ورغم أن هذا الإجراء وفّر حماية لخط المواجهة، إلا أنه أزال الحماية عن القواعد العسكرية والمراكز الصناعية في المناطق الداخلية الروسية. لذلك، فإن تدمير كل منصة إطلاق ونظام رادار يجبر موسكو على الاختيار بين حماية الجبهة أو الدفاع عن المناطق الداخلية للبلاد، كما نقلت "نيويورك تايمز" عن محللين.

وعلى الرغم من أن روسيا لا تزال تتمتع بحماية جوية قوية، إلا أن الضغط قد أدى إلى تفتيت درع البلاد إلى دفاعات معزولة، وهو ما تستغله أوكرانيا بشن ضربات في عمق روسيا وبالقرب من الجبهة لتقويض الخدمات اللوجستية الروسية. ولسد الثغرات الناشئة، لجأت إلى حلول مؤقتة مثل تركيب بطاريات "بانتسير" على المباني الشاهقة لتحسين مجال الرؤية ونشر السفن الحربية البحرية لحماية المناطق الشمالية مثل مورمانسك.

أيضًا، أشار القادة الأوكرانيون إلى تحول في عقيدتهم. فبدلاً من انتظار الموافقة المركزية، يُسمح للطيارين بالابتعاد عن أهداف المهمة المخطط لها إذا ما رأوا فرصة لضرب هدف ذي أولوية، مثل رادار أو منصة إطلاق روسية.

لكن، يكمن عجز أوكرانيا عن منافسة روسيا في حجم إنتاجها الصناعي. فموسكو تُنتج آلاف الطائرات المسيّرة الهجومية، والصواريخ الخادعة، وصواريخ كروز ذات المواصفات القياسية. وتشير تقديرات أجهزة الاستخبارات الأوكرانية إلى أن روسيا تُنتج نحو 120 صاروخًا باليستيًا شهريًا، متجاوزةً بذلك إجمالي إنتاج الولايات المتحدة من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية.

كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أوكرانيين إن الترسانة الروسية يتم تعزيزها بصواريخ من كوريا الشمالية. كذلك تقوم موسكو بتطوير مسيّراتها الاعتراضية، ولا تزال تمتلك عددًا كبيرًا من بطاريات الدفاع الجوي المتطورة من طراز S-400 و S-300.