كشفت بيانات حديثة عن تصاعد غير مسبوق في الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة على موسكو ومحيطها خلال عام 2026، في تطور يعكس انتقال الحرب تدريجيًا إلى العمق الروسي، وسط سعي كييف إلى زيادة الضغوط العسكرية والاقتصادية على الكرملين ودفعه إلى تقديم تنازلات في أي مفاوضات مستقبلية.
وأظهرت خريطة نُشرت على الموقع الرسمي لمنطقة ليوبرتسي، إحدى المناطق المحيطة بالعاصمة الروسية، مواقع عشرات الملاجئ المخصصة للسكان تحسبًا لهجمات الطائرات المسيّرة، في مؤشر على تنامي المخاوف الأمنية في محيط موسكو مع تزايد الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى، بحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية.
هجمات متزايدة
نفذت أوكرانيا، وفق بيانات منظمة "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" (ACLED)، 237 هجومًا بالطائرات المسيّرة على مدينة موسكو، إضافة إلى 85 هجومًا على منطقة موسكو منذ يناير 2026، ليصل إجمالي الهجمات إلى 322 هجومًا حتى 27 يوليو الماضي.
ويتجاوز هذا العدد إجمالي الهجمات التي استهدفت موسكو والمنطقة المحيطة بها طوال عام 2025، البالغة 287 هجومًا، فيما سجلت المنظمة 106 هجمات خلال عام 2023 و67 هجومًا فقط خلال عام 2024، ما يعكس تصاعدًا مستمرًا في وتيرة العمليات الأوكرانية.
أهداف إستراتيجية
وفق تقرير المجلة، ركزت كييف هجماتها على مستودعات الوقود ومراكز الخدمات اللوجستية والقواعد العسكرية، إضافة إلى مخازن تستخدمها شركة "وايلد بيريز"، أكبر متاجر التجزئة الإلكترونية في روسيا، مستخدمة طائرات مسيّرة أكثر تطورًا ودقة مقارنة بالسنوات الماضية.
وتهدف أوكرانيا، بحسب التقرير، إلى تقليص مصادر الإيرادات الروسية، خصوصًا صادرات الوقود، وإيصال تأثير الحرب إلى السكان الروس البعيدين عن خطوط القتال، بما في ذلك سكان موسكو، على أمل زيادة الضغوط الداخلية على القيادة الروسية.
كما تسعى كييف إلى إبقاء الاقتصاد الروسي تحت الضغط، في ظل نقص الوقود وارتفاع معدلات التضخم وتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية، وهي عوامل تشير استطلاعات رأي حديثة إلى أنها تؤثر سلبًا في تأييد استمرار الحرب داخل روسيا، وقد تعزز موقف أوكرانيا في أي مفاوضات مقبلة.
ضغوط متبادلة
لم تشمل إحصاءات "ACLED" أحدث الهجمات التي استهدفت موسكو، 28 يوليو الماضي، عندما أعلنت السلطات الروسية أن نحو 400 طائرة مسيّرة توجهت نحو المنطقة خلال ليلة واحدة، وقالت إن الدفاعات الجوية أسقطت معظمها، بينما دُمرت 81 طائرة بالقرب من العاصمة.
وأدت الهجمات إلى إصابة مبنى سكني في مدينة تشيخوف جنوب موسكو، واندلاع حريق في مستودع للنفط، فضلًا عن تضرر عدد من المباني السكنية في ضواحي العاصمة، بحسب مسؤولين روس.
وفي يونيو، استهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية مصفاة نفط جنوب شرق موسكو، ما تسبب في حريق كبير وشكاوى من السكان، بسبب ما وصفوه بـ"أمطار نفطية"، فيما وصف الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا، الهجوم بأنه "نقطة تحول" أعادت الحرب إلى الداخل الروسي.
ضربات "محرجة للغاية"
أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يوليو الماضي، أن استهداف موسكو وسانت بطرسبرج يهدف إلى إيصال الحرب للنخب السياسية الروسية، قائلًا إن "هناك تُتخذ القرارات التي تؤدي إلى قتل الأوكرانيين".
ورأى رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني أوليكساندر ميريجكو، أن الضربات على موسكو "محرجة للغاية" للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأنها تُظهر عدم قدرته على ضمان أمن العاصمة، داعيًا إلى تكثيف هذه العمليات.
في المقابل، تواصل روسيا تنفيذ هجمات بالصواريخ الباليستية على المدن الأوكرانية، بينما تواجه كييف صعوبة في الحصول على صواريخ اعتراض متطورة.
وأعلنت وسائل إعلام روسية، أواخر يوليو، تدمير مصنع لإنتاج الطائرات المسيّرة قرب كييف، قبل أن يتبين لاحقًا أنه مملوك لشركة دفاعية مسجلة في الولايات المتحدة وتنتج طائرات مسيّرة مخصصة للضربات بعيدة المدى.
ويشير التقرير إلى أن تطوير أوكرانيا لقدراتها الصناعية في مجال الطائرات المسيّرة، وزيادة مداها ودقتها، يمنحها قدرة متنامية على استهداف العمق الروسي، في وقت تتواصل فيه الحرب بين الطرفين دون مؤشرات على قرب التوصل إلى تسوية سياسية.