يُعد كتاب "في سيكولوجية عدم الكفاءة العسكرية" لعالم النفس البريطاني نورمان ديكسون مرجعًا أساسيًا منذ زمن طويل لدى عدة جيوش. وبينما يصادف هذا العام الذكرى الخمسين لصدور الكتاب، الذي اعتبره كثيرون بريطانيًا بامتياز، وسعى إلى فهم ما بدا آنذاك مشكلة بريطانية بحتة، فإن الأمر، بعد نصف قرن، اتضح أنه ينطبق، برمته، على وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث.
ويعود كتاب ديكسون إلى منتصف القرن التاسع عشر، وهو متجذر تمامًا في الأعراف العسكرية والمدنية البريطانية القديمة، وفي علم النفس الذي عفا عليه الزمن إلى حد ما، إذ يتناول بإسهاب عقدة الأم وغيرها من الأفكار الفرويدية الشائعة في ذلك الوقت. لكنه كان يسعى إلى الإجابة عن سؤال حيّر الجيش البريطاني طويلًا، لا سيما في أعقاب الحرب العالمية الأولى: لماذا يبدو أن الأسود يقودها الحمير دائمًا؟
ووفقًا لتحليل لمجلة "فورين بوليسي"، يستحيل قراءة الكتاب اليوم دون التفكير في وزير الحرب الأمريكي، "الذي نصّب نفسه بنفسه، وجهوده البائسة للقضاء على أصحاب اللحى، أو ممارسة تمارين العقلة، أو إخضاع دولة متخلفة رغم امتلاكه لأقوى جيش في التاريخ". ومع ذلك، يستبعد ديكسون الغباء المطلق سببًا رئيسيًا لمعظم تفسيرات استمرار عدم الكفاءة.
ورغم أن كتاب ديكسون قديم، سواء في دراساته العسكرية أو في كثير من جوانبه العلمية، فإنه يظل، مع ذلك، مثيرًا للاهتمام في تفسير سبب ميل العوامل التي تجعل الجيش ناجحًا في معظم الأوقات إلى العمل ضد أفضل أداء في أكثر الأوقات حرجًا.
أما الإبداع، والانفتاح على الأفكار الجديدة والاختلاف، وتجاوز الأعراف واللوائح التافهة، وترقية أفضل الكفاءات، وتبني الأساليب غير التقليدية، فهي من بين السمات التي حددها ديكسون في القادة الناجحين. ويلفت التحليل إلى أن "هذه صفات سعى إليها الجيش الأمريكي في بعض الأحيان، لكن في عهد هيجسيث أصبح من الأهمية بمكان أن يكون القائد أبيض البشرة، ذكرًا، وحليق الذقن".
عقلية متواضعة
لأن بيت هيجسيث ليس جنرالًا، بل وصل فقط إلى رتبة رائد في الحرس الوطني، بعد أن خدم في العراق وأفغانستان، فقد تمكن من نقل عقلية الضابط الصغير إلى مكتب وزير الحرب، بطريقة تعكس بوضوح كثيرًا مما أعرب عنه ديكسون من أسف بشأن القيادة في زمن الحرب في الجيش البريطاني.
فعلى سبيل المثال، هناك مصطلح "الثور" الذي استخدمه ديكسون كناية، ويشير إلى آفة التظاهر بالانضباط والتقيد بالمظاهر، حتى وإن كان لذلك دور في تعزيز الانضباط والتوحيد وروح الفريق. ويشير ديكسون إلى أن "هذه الظاهرة تنطوي على التزام طقوسي بعلاقات الهيمنة والخضوع في التسلسل الهرمي العسكري، ونظام مفرط، وانشغال بالمظاهر الخارجية".
وتجلّى ذلك عندما استدعى هيجسيث جميع كبار القادة العسكريين الأمريكيين من مختلف أنحاء العالم؛ للاستماع شخصيًا إلى خطبة مطولة حول مساوئ الجنود البدينين، والشعر الطويل، واللحى. وعندما نشر مقاطع فيديو لنفسه وهو يحاول أداء تدريبات بدنية، بدا ذلك أمرًا غير معتاد بالنسبة إلى أي وزير دفاع، الذي يُفترض أن لديه قضايا إستراتيجية أوسع تشغل باله.
وفيما يتعلق بالحساسية المفرطة، ينطبق وصف ديكسون تمامًا على هيجسيث؛ ففي وقت سابق من الحرب الدائرة مع إيران، انتقد هيجسيث الصحافة الأمريكية، ووصفها بأنها "غير وطنية" لتغطيتها الحرب بموضوعية. وبالمثل، في أواخر يوليو، ثار غضب وزير الحرب عندما أشار بعض المشرعين إلى أن فشل الولايات المتحدة في الحرب يقع، في نهاية المطاف، على عاتقه.
ومثل غير الأكفاء في عهد ديكسون، الذين تجنبوا أي نوع من الدعاية، لم يكتفِ البنتاجون، في عهد هيجسيث، بتطهير هيئة الصحافة المهنية وطردها من المبنى، بل أعاد كتابة إجمالي الخسائر بصورة عشوائية، ولم يعقد مؤتمرًا صحفيًا خلال الحرب لما يقرب من ثلاثة أشهر.
رؤى عتيقة
يتجلى اعتقاد ديكسون بأن المخاوف بشأن الرجولة هي المحرك لسلوك بعض كبار القادة، في كل من "الخطابات الرجولية" وقرارات شؤون الأفراد وهيكلة القوات. ولا يحتاج المرء إلى البحث مطولًا ليجد هيجسيث يُلزم بإجراء فحوصات التستوستيرون للمقاتلين الأمريكيين، أو يجد تحيزًا ممنهجًا ضد ترقية الضابطات أو زيادة أعداد القوات النسائية المقاتلة.
كما أن ثمة عقلية "سلطوية" -على حد تعبير ديكسون- تحدد، بالضرورة، جزءًا كبيرًا من التسلسل الهرمي العسكري، لكنها تجد تعبيرًا مؤسفًا في الجمود الفكري. وكتب ديكسون: "من غير المرجح أن يفهم السلطويون نوايا العدو"، كما أن لديهم ميلًا إلى الاستهانة بقدراته. وقتها، كان يفكر في خطة الحلفاء الكارثية في ربيع عام 1940، لكنه يبدو اليوم وكأنه يكتب عن فشل البنتاجون في الاستعداد لإغلاق إيران مضيق هرمز، على الرغم من أن هذا السيناريو ظل قيد التخطيط لعقود قبل ذلك.
كما تشير "فورين بوليسي" إلى أن أنظمة الإدارة الاستبدادية، مثل تلك التي تضم وزير الحرب الحالي، أقل ميلًا إلى تبني الابتكارات التقنية؛ "فبعد مرور أكثر من أربع سنوات على الحرب الأوكرانية، التي أظهرت الحاجة إلى إعادة هيكلة القوات القتالية لمواكبة عصر الطائرات المُسيّرة، لا تزال الولايات المتحدة متخلفة بفارق شاسع عن دولة أوروبية متوسطة المستوى تعاني من ويلات الحرب، وذلك من حيث إنتاج الطائرات المُسيّرة".
وحسب التحليل، يعود جزء من ذلك إلى رئيس هيجسيث؛ "فقد رفض ترامب عرض أوكرانيا بالمساعدة في مجال الطائرات المُسيّرة في وقت سابق من هذا العام، خلال المراحل الأولى من الحرب الإيرانية. ويُظهر ترامب ازدراءً ثابتًا للتقدم التكنولوجي في المجال العسكري، إذ طالب، لسنوات، بإعادة استخدام المنجنيقات البخارية القديمة لحاملات الطائرات الأمريكية، وأجبر البنتاجون على تخصيص مليارات الدولارات لبناء "بارجة" من فئة ترامب".