لم تعد أزمة الحرائق الكارثية التي تجتاح فرنسا هذا الصيف مجرد أزمة بيئية أو مناخية، بل كشفت عن انهيار بنيوي عميق في منظومة الحماية المدنية بأكملها، في هذا الصدد رصدت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية في تحقيق موسع، صرخات رجال الإطفاء المحترفين والمتطوعين الذين يخوضون معركة مزدوجة، الأولى ضد النيران المتمددة في كل الاتجاهات، والثانية ضد حكومة تتجاهل تحذيراتهم وتكتفي بالإشادة ببسالتهم.
أرقام تاريخية جديدة
رصدت ليبراسيون أن الحرائق المندلعة منذ يونيو الماضي أتت على أكثر من 115 ألف هكتار (نحو 274 فدانًا) من الغابات الفرنسية، متجاوزة كل الأرقام القياسية المسجلة في تاريخ البلاد، بما فيها كارثتا 2003 و2022 اللتان أتت كل منهما على نحو 70 ألف هكتار (نحو 173 فدانًا) وكانتا تُعدان حتى الأمس القريب ذروة ما يمكن أن يبلغه موسم الحرائق.
وامتدت رقعة الاشتعال هذه المرة من غابات الشمال الغربي إلى سهول الجنوب الشرقي، ومن المناطق الساحلية إلى قلب الداخل الفرنسي، إذ صدرت أوامر إخلاء للسكان في الحادي والثلاثين من يوليو بسبب تجدد الحرائق.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الفرنسية، فإن هذا التمدد الجغرافي غير المسبوق يولّد ضغطًا هائلًا على أجهزة الإنقاذ التي تواجه في الوقت ذاته موجات حر متكررة تُضاعف أعداد حالات الإسعاف الطارئة، ليجد رجال الإطفاء أنفسهم في مواجهة جبهتين في آنٍ واحد.
رجال الإطفاء يصرخون
نقلت الصحيفة الفرنسية عن لوران جيوتو، رجل الإطفاء المحترف والأمين العام لنقابة CGT في أجهزة إطفاء مارسيليا، قوله إن "الغابات ليست وحدها التي باتت برميل بارود، فمنظومة الحماية المدنية كذلك، ونحن اليوم على حافة الانهيار الكامل"، وذلك بعد مهمة استمرت 72 ساعة شبه متواصلة في الغابات لمحاربة حريق وصفه بـ"الوحش" الذي ظل نشطًا تسعة أيام قبل أن يُحاصر. وتكشف الصحيفة أن صامويل كوسيرون، ضابط من نورماندي، لم ينم سوى ثلاث ساعات طوال نوبة عمل بلغت 48 ساعة، مضيفةً أن النيران اخترقت خط دفاع فريقه مرغمةً إياه على التراجع المتسرع.
الحكومة تستهين والنقابات تغلي
بينما تتصاعد التحذيرات، تكشف ليبراسيون أن ست نقابات من أصل ثماني توافدت منذ الثالث من يوليو على مكتب وزير الداخلية لوران نونيز لإبلاغه بالخطر المحدق بمنظومة تضم قرابة 260 ألف رجل إطفاء، 78% منهم متطوعون.
غير أن الوزير ردَّ بنبرة الاستخفاف: "يكفي انتقاد فرنسا، نحن بلد يُحسن إدارة الأزمات"، فيما آثر الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته لبوردو الإشادة ببسالة رجاله بدلًا من الخوض في الخسائر.
والأكثر إثارة أن الصحيفة تُفيد بأن وزارة الداخلية أحجمت عن الكشف عن إجمالي المصابين في صفوف رجال الإطفاء منذ بداية الموسم، مكتفيةً بالقول إن "الوقت مبكر على الإفصاح"، في حين أعلنت إدارة جيروند وحدها عن 267 مصابًا جراء حريق منطقة سوموس.
وعود تتبخر وأزمة التمويل تتعمق
كانت الحرائق الكبرى التي اجتاحت مدينة جيروند عام 2022 دفعت ماكرون إلى إطلاق ما سماه "الميثاق القدراتي"، بتخصيص 150 مليون يورو لشراء أكثر من ألف آلية جديدة، منها 700 شاحنة إطفاء متخصصة.
لكن ممثلي النقابات أفادوا لليبراسيون بأن الشاحنات المُسلَمة حتى الآن اقتصرت على استبدال المركبات القديمة المتهالكة دون إضافة طاقة فعلية جديدة، لافتين إلى أن عدد شاحنات الإطفاء المتخصصة تراجع من نحو 4800 إلى 3871 مقارنة بعشرين عامًا مضت.
وتُضيف الصحيفة بُعدًا آخر للأزمة، إذ يتضح أن الدولة لا تتحمل سوى نسبة هامشية من تمويل الحماية المدنية، بينما يتكبد 56% منها المحافظات و39% البلديات.
وبينما خصصت فرنسا عام 2025 ستين مليار يورو للجيش، لم يتجاوز ما رُصد للحماية المدنية 968 مليون يورو، وهو ما وصفته النقابات بأنه "عجز فادح في مواجهة مخاطر باتت تتضاعف".