تواجه أسواق الطاقة العالمية تحديات غير مسبوقة قد تمتد تداعياتها لسنوات طويلة، إذ يحذر خبراء من أن التأثيرات المدمرة للحرب الدائرة على إيران ستطال بشكل خاص قطاع الغاز الطبيعي المُسال، ولن تنتهي بمجرد توقف الأعمال العسكرية، بل ستحتاج الأسواق إلى وقت طويل لاستعادة توازنها واستقرارها.
مفاوضات أمريكية إيرانية
أشارت مجلة فورين بوليسي الأمريكية إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أدت الى موجة من الارتباك في أسواق الطاقة، بعدما أعلن عبر منصته الاجتماعية عن محادثات "مثمرة" مع إيران، إذ جاء هذا الإعلان بعد يومين فقط من تهديداته بتدمير البنية التحتية لمنشآت الطاقة الإيرانية في حال عدم فتح مضيق هرمز، الذي لا يزال مغلقًا أمام حركة الملاحة.
وأضافت المجلة أن ترامب ذكر أن مبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، أجريا محادثات مع مسؤول إيراني رفيع المستوى رفض الكشف عن هويته.
لكن طهران سارعت بنفي هذه الادعاءات، إذ استندت وسائل إعلام إيرانية حكومية إلى وزارة الخارجية في نفي أي اتصالات مباشرة أو غير مباشرة مع واشنطن.
ورغم الشكوك المحيطة بحقيقة هذه المحادثات، نجحت تصريحات ترامب في تحقيق هدفها السوقي، إذ انخفضت أسعار النفط وارتفعت مؤشرات الأسهم الأمريكية بشكل ملحوظ.
فجوة إمدادات النفط
حتى لو انتهت الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع قريبًا، تشير فورين بوليسي إلى أن سوق النفط ستظل تعاني لأسابيع وشهور بسبب الناقلات المتراكمة ومنشآت الإنتاج المتوقفة، ما سيخلق فجوة هائلة تُقدَّر بنحو 9 ملايين برميل يوميًا في الإمدادات العالمية خلال أبريل المقبل.
ولهذا السبب، أوضحت المجلة أن مسؤولي شركات النفط يحذرون من أن السوق أكثر ضيقًا مما يعتقد المتداولون، بينما تتوقع بنوك استثمارية كبرى مثل جولدمان ساكس، استمرار الأسعار في خانة المائة دولار في المستقبل القريب.
هذا الوضع دفع ترامب لتقديم تخفيف للعقوبات، ليس فقط على روسيا، بما يتيح بيع النفط الروسي المحظور بحُريّة، بل أيضًا على إيران.
ونقلت فورين بوليسي عن ترامب تبريره لهذه الخطوة بقوله: "أريد فقط أن يكون لدينا أكبر قدر ممكن من النفط في النظام"، رافضًا المخاوف من إثراء النظام الإيراني الذي يحاربه.
كما تشير المجلة إلى أن هذا التخفيف سيُمكِّن طهران من كسب مليارات الدولارات الإضافية عبر بيع نفطها بأسعار السوق بدلًا من الخصومات، خاصة للمشترين الآسيويين وعلى رأسهم الصين.
كارثة الغاز المُسال
توضح فورين بوليسي أن التأثير الأكبر والأطول أمدًا سيكون في سوق الغاز الطبيعي المُسال، فعادة يمر خُمس إمدادات الغاز المُسال العالمية عبر مضيق هرمز، الذي أصبح مغلقًا فعليًا أمام جميع أنواع السفن، باستثناء حفنة قليلة تسمح إيران بعبورها.
وأشارت المجلة إلى أن حوالي 90% من الغاز القادم من الخليج العربي، أساسًا من قطر والإمارات، يتجه إلى آسيا، وحاليًا تصل آخر الشحنات التي غادرت قبل الحرب، دون وجود شحنات جديدة في الطريق.
حذرت آن صوفي كوربو، خبيرة الغاز الطبيعي في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، في تصريحات خاصة لفورين بوليسي، من أن "التأثير كبير على الصين واليابان وتايوان وباكستان وبنجلاديش، بعضها أكثر تعرضًا من غيرها، لكن في جميع أنحاء آسيا يُستخدم الغاز لتوليد الطاقة والصناعة، لذا ستكون هناك تداعيات متتالية".
وأضافت المجلة أن الاضطرابات ونقص الغاز الوشيك ظهرت بوضوح في أسعار الغاز الآسيوية التي تضاعفت منذ بداية الحرب، بينما تتسابق بعض الدول الآسيوية على الإمدادات الفورية بدلًا من الاعتماد على العقود طويلة الأجل، لكنها تواجه منافسة أوروبية على نفس الشحنات.
المشكلة الأكبر، وفقًا لفورين بوليسي، تكمن في أنه حتى لو انتهت الحرب الأمريكية الإسرائيلية بسرعة وبدأ مضيق هرمز في العودة لحركة الملاحة الطبيعية، فإن الأمر سيستغرق وقتًا طويلاً لاستعادة تدفقات الطاقة الطبيعية، إذ أغلقت قطر، ثاني أكبر مصدر للغاز المُسال بعد الولايات المتحدة، جميع عمليات الإنتاج في منشأة رأس لفان الضخمة بعد هجومين إيرانيين، أدى أحدهما إلى إلحاق أضرار بالغة بوحدتين من أصل 14 وحدة في منشأة تسييل الغاز.
أوضحت كوربو لفورين بوليسي أن "هذه الوحدات تحتاج لإعادة التشغيل بشكل متسلسل، واحدة أو اثنتين في كل مرة، ويجب إعادة تشغيلها ببطء شديد، وإذا سارت الأمور بشكل جيد، فإن عملية إعادة التشغيل الكاملة ستستغرق من أربعة إلى ستة أسابيع، هذا لن يعود فورًا".
لكن الأخطر، بحسب المجلة، أن بعض المنشآت لن تعود للعمل لسنوات، حيث أعلنت شركة قطر للطاقة الأسبوع الماضي، أن الوحدتين المتضررتين، اللتين تمثلان 17% من إنتاج قطر من الغاز المسال، ستستغرقان من ثلاث سنوات للإصلاح.
أزمة ممتدة حتى 2027
رغم وجود إمدادات إضافية من الغاز المُسال قادمة هذا العام من أستراليا وكندا والولايات المتحدة، أشارت فورين بوليسي إلى أن هذه الإمدادات كانت مخصصة للإضافة إلى السوق العالمية، وليس لتعويض النقص الناجم عن الحرب، ما يعني أنه في أفضل السيناريوهات، ستتأخر السوق العالمية الوفيرة التي كانت أوروبا وآسيا تعتمدان عليها هذا الصيف حتى أواخر العام المقبل.
حذرت كوربو في ختام تصريحاتها لفورين بوليسي قائلة: "عام 2026 سيكون بنفس مستوى العام الماضي، وقد لا نشهد حتى الراحة الكبيرة في عام 2027".