للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في غزة، لم تعد المفاوضات تدور حول وقف إطلاق النار، أو وقته، أو مدته فحسب، بل انتقلت إلى رسم شكل القطاع في اليوم التالي، في تحول سياسي يعكس دخول الصراع مرحلة جديدة، عنوانها مستقبل حماس، وسلاحها، وهوية السلطة التي ستدير غزة، أكثر من كونه مجرد اتفاق لوقف الحرب.
وفي هذا السياق، برزت خارطة طريق جديدة أعلن عنها، أمس الخميس، مجلس السلام، الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي، بعد حصوله على موافقة حماس على بنودها، التي تتضمن ترتيبات لنزع السلاح تدريجيًا، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي، ونقل إدارة القطاع إلى سلطة فلسطينية انتقالية.
غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من مؤشرات على اقتراب مرحلة سياسية جديدة، لا يعني بالضرورة أن نهاية الحرب أصبحت وشيكة، إذ يرى خبراء ومحللون سياسيون أن العقبات الجوهرية لا تزال قائمة، وأن نجاح أي اتفاق سيظل رهينًا بقدرة الوسطاء على معالجة الخلافات المرتبطة بالسلاح، وشكل إدارة غزة، والضمانات الأمنية، في ظل استمرار التحفظات الإسرائيلية، واحتمالات تعطيل تنفيذ أي تفاهمات نهائية.
تفاهمات هشة
البداية كانت مع أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، الدكتور أيمن الرقب، الذي قال إن «اتفاق التهدئة، رغم دخوله حيز التنفيذ، لم ينجح عمليًا في وقف الحرب»، مشيرًا إلى استمرار سقوط الشهداء، ليصل عددهم إلى ما يقرب من 1200 شهيد في غزة، وهو ما يعكس عدم التزام إسرائيل ببنود الاتفاق.
وأضاف، في تصريحات خاصة لموقع «القاهرة الإخبارية»، أن المفاوضات التي قادتها مصر وقطر وتركيا استمرت عدة أشهر للوصول إلى الصيغة الحالية، إلا أن جميع الأطراف كانت تدرك احتمالية تنصل إسرائيل من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وفي حين أعلن ترامب انفراجة في المفاوضات، فإن إسرائيل لم تُصدر ردًا رسميًا على الخطة، فيما أبدى مسؤولون حكوميون تشكيكهم في الاتفاق، وفقًا لصحيفة «ذا جارديان» البريطانية.
فرصة سياسية
من جهته، صرّح رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، الدكتور صلاح عبد العاطي، بأنه «في حين أن المشهد الحالي لا يسمح بالحديث عن نهاية مؤكدة للحرب، فإنه يمثل أقرب فرصة سياسية منذ السابع من أكتوبر للانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى مسار تسوية مرحلية».
وأوضح عبد العاطي، لموقع «القاهرة الإخبارية»، أن التطور الأبرز لا يقتصر على النقاش حول وقف إطلاق النار، بل يتمثل في انتقال المفاوضات إلى ملفات كانت، حتى وقت قريب، خارج دائرة التفاوض، وفي مقدمتها إدارة قطاع غزة، والحوكمة، ومستقبل السلاح، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، بما يعكس تحولًا في مسار المباحثات نحو ترتيبات اليوم التالي للحرب، وليس الاكتفاء بوقف العمليات العسكرية.
مستقبل حماس
وعن خروج حركة حماس من المشهد الإداري في قطاع غزة، يرى الرقب أن ذلك يضعها أمام خيارين: إما العودة إلى وضعها السابق قبل انتخابات عام 2006، كحركة معارضة خارج النظام السياسي، أو الاندماج في النظام السياسي الفلسطيني عبر تبني البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما يستلزم الاعتراف بهذا البرنامج وما يتضمنه من مواقف سياسية.
ورجّح أن تتجه الحركة إلى العودة إلى دورها السابق قبل وصولها إلى السلطة، معتبرًا أن ذلك هو السيناريو الأقرب، قائلًا: «حماس تسعى إلى الخروج بأقل الخسائر، في ظل إدراكها لصعوبة استمرار وضعها الحالي».
أما عبد العاطي، فصرح بأننا «قد نكون أمام أكبر تحول في تاريخ حماس السياسي منذ تأسيس الحركة، فإذا نُفذت خارطة الطريق، فمن المرجح أن تنتقل تدريجيًا من كونها سلطة في غزة تمتلك ذراعًا عسكرية وإدارية إلى فاعل سياسي داخل النظام السياسي الفلسطيني، شبيه بما شهدته حركات تحرر وطنية أخرى عندما انتقلت من مرحلة المقاومة المسلحة إلى مرحلة العمل السياسي».
وأشار إلى أن هذا التحول لن يكون سهلًا، لأنه يتطلب إعادة تعريف دور الحركة، وعلاقتها بمنظمة التحرير، وبالسلطة الفلسطينية، وبالمعادلة الأمنية الجديدة، فضلًا عن معالجة التوازن بين الحفاظ على مشروعها السياسي، وعدم الظهور بمظهر المهزوم أمام قواعدها.
معضلة السلاح
فيما يتعلق بملف السلاح، أشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، الدكتور أيمن الرقب، إلى أن جولات التفاوض تناولت ملفات عدة، أبرزها مستقبل موظفي حماس وآلية التعامل مع سلاح الفصائل.
وأوضح أن الخلاف الأكبر تمثل في ملف السلاح، إذ أصرت إسرائيل على تسليمه دفعة واحدة قبل الانسحاب، بينما ركزت المقترحات المطروحة على تسليم تدريجي يمنع حدوث فراغ أمني إلى حين تسلم الأجهزة الأمنية الفلسطينية الجديدة مسؤولياتها. كما أشار إلى أن المقترحات تضمنت استيعاب جزء من الموظفين، وإحالة آخرين إلى التقاعد، مع استبعاد من ترفضهم إسرائيل أو من تتهمهم بالتورط في عمليات، من شغل مناصب في المؤسسات الرسمية.
ويرى رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، الدكتور صلاح عبد العاطي، أن الحديث عن نزع السلاح لا يزال جزءًا من عملية تفاوضية لم تكتمل، في ظل استمرار التباين بين الطرحين الأمريكي والإسرائيلي، اللذين يدفعان باتجاه نزع كامل للسلاح، وبين الرؤية الفلسطينية التي تقوم على حصر السلاح الثقيل وتخزينه بصورة تدريجية تحت إشراف اللجنة الوطنية الفلسطينية، مع ربط تنفيذ هذه الخطوات بانسحاب الاحتلال من قطاع غزة.
عراقيل إسرائيلية
يعتقد عبد العاطي أن نزع سلاح حماس وحده لن يكون كافيًا بالنسبة لإسرائيل، فالمطالب الإسرائيلية تتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة المشهد الفلسطيني برمته، كما أنها ستبقى حريصة على الاحتفاظ بحرية الحركة الأمنية، وعلى ضمانات أمريكية ودولية طويلة الأمد، وربما على ترتيبات تتعلق بالحدود والمعابر والمجال الأمني.
أما الرقب، فتوقع أن تتجنب إسرائيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وأن تضع عراقيل أمام أي تسوية نهائية أو وقف شامل للحرب، عبر توسيع المناطق العازلة، واستمرار العمليات العسكرية بذريعة وجود السلاح في قطاع غزة، مشيرًا إلى اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، الذي قد يدفع حكومة الاحتلال إلى تأجيل تنفيذ أي اتفاقات جوهرية، أملًا في تحقيق مكاسب سياسية وانتخابية.
وفي سياق متصل، وجّه وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن جفير، اليوم الجمعة، انتقادًا شديدًا إلى الاتفاق، معتبرًا أنه «غير مقبول». وكتب على منصة «تليجرام»: «بعد حرب 7 أكتوبر 2023، يعد الالتزام بوقف اغتيال عناصر حماس بمثابة موافقة على أن يخططوا للحرب التالية. يجب أن تستمر الاغتيالات في غزة، ويجب تشجيع الهجرة، ويجب أن تنتصر إسرائيل».