قد تكون الحرب على إيران مقبلة على نقطة تحول جديدة، بعدما عاد الجانبان إلى القتال، يوليو الجاري، عقب انهيار وقف إطلاق النار الذي استمر ثلاثة أشهر، لكن دون مؤشرات واضحة على أن أيًا منهما يحقق أفضلية إستراتيجية حقيقية.
وفي ظل وصول الحرب إلى حالة من الجمود، يبدو أن التطور الأبرز حاليًا يتمثل في تراجع التأييد للحرب بين بعض داعميها في الولايات المتحدة، وبينما تبقى العمليات الأمريكية معلقة، وفقًا لمصدر في وزارة الحرب الأمريكية تحدث إلى CNN، خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد نحو أسبوعين متواصلين من الضربات الليلية، واصلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التلويح بإمكانية التصعيد.
ضغط جمهوري
بدأ حتى الجمهوريون، الذين لم ينتقدوا الحرب في بدايتها، في التشكيك علنًا في المدة التي يمكن أن تستمر فيها، وقالت مذيعة فوكس نيوز لورا إنجراهام، إن "الوقت ينفد أمام الرئيس ترامب للخروج من هذه الحرب قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع"، محذرة من أن الحرب تثير قلقًا كثيرًا من الجمهوريين.
وأضاف رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون أن الحرب مهمة، لكنه قال في الوقت نفسه: "علينا الآن أن ننهيها"، فيما اعتبر السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي، أن الرئيس حصل على فرصة لتحقيق الأهداف الأولية التي كان يؤيدها، وأن الوقت حان لإنهاء الحرب.
لكن ترامب لا يبدو أنه يمتلك حاليًا طريقًا واضحًا للخروج، في ظل عدم إبداء إيران استعدادا لقبول حتى مذكرة تفاهم اعتُبرت مواتية لها نسبيًا، فيما لم تؤدِ الضربات والتهديدات الأمريكية المتجددة إلى إخضاع طهران.
وبقي السؤال هو ما إذا كان الجمهوريون مستعدين للضغط على ترامب للانسحاب من الحرب حتى دون التوصل إلى اتفاق نووي، أو حال استمرار إيران في السيطرة على مضيق هرمز، ما سيمثل خسارة كبيرة يصعب تقديمها للرأي العام على أنها شيء آخر.
وفي المقابل، أصر ترامب على أن انتخابات التجديد النصفي المقبلة "لن يكون لها أي تأثير" عليه.
خسائر أمريكية
أثار مقتل جنود أمريكيين مؤخرًا مخاوف داخل إدارة ترامب من تراجع التأييد الشعبي للحرب، إذ قُتل 4 جنود منذ استئناف الضربات المنتظمة، فيما بلغ إجمالي القتلى الأمريكيين في الحرب 18 عسكريًا.
وحاول ترامب التقليل من أهمية الخسائر من خلال مقارنتها بحروب أمريكية سابقة شهدت أعدادًا أكبر من القتلى، كما قال مرارًا، دون تقديم أدلة، إن الجنود الذين قتلوا وعائلاتهم كانوا يؤيدون الحرب، بينما أشارت تصريحات من أحد أفراد عائلة قتيل إلى خلاف ذلك.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز وإبسوس، مارس، أن 42% من الجمهوريين و53% من المستقلين قالوا إن مقتل أو إصابة جنود أمريكيين في الشرق الأوسط سيجعلهم أكثر ميلًا إلى معارضة الحرب.
وحدثت وزارة الحرب الأمريكية قاعدة بيانات الخسائر العسكرية، خلال عطلة نهاية الأسبوع، وسجلت أكثر من 140 مصابًا إضافيًا، ما رفع إجمالي عدد المصابين إلى أكثر من 600.
وزادت الخسائر من صعوبة تبرير الحرب أمام الرأي العام، خاصة أن الأمريكيين أبدوا بالفعل معارضة متزايدة لها خلال أشهر لم تسجل فيها خسائر بشرية، في ظل ارتفاع أسعار الوقود، ومع عدم وضوح الفوائد التي يمكن أن تحققها الحرب، ما يجعل سقوط مزيد من الجنود أكثر صعوبة في تقبله.
خيار التصعيد
واجه ترامب خيار العودة إلى التصعيد العسكري، بعدما أبدى مقاومة مستمرة لتوسيع الحرب، لكن استمرار الجمود قد يدفعه ومستشاريه إلى اعتبار التصعيد البديل الوحيد عن انسحاب قد يبدو محرجًا سياسيًا.
وهدد ترامب مرارًا بضرب البنية التحتية الإيرانية، إلا أن استهداف منشآت حيوية قد يثير مخاوف بشأن احتمال ارتكاب جرائم حرب، فيما يتطلب خيار السيطرة على مناطق إستراتيجية مثل جزيرة خرج أو المناطق المحيطة بمضيق هرمز، على الأرجح، نشر قوات برية أمريكية، وهو ما يعارضه الأمريكيون بأغلبية كبيرة، فضلًا عن أنه قد يؤدي إلى سقوط مزيد من القتلى وإطالة أمد الحرب.
وقال ترامب إنه يدرس حاليًا "هجومًا ضخمًا" سيكون "أكبر من أي وقت مضى"، لكنه سبق أن أطلق تهديدات مماثلة ثم تراجع عنها رغم عدم تحقيق أهدافه من إيران.
وفي الوقت نفسه، أوقف ترامب الضربات خلال عطلة نهاية الأسبوع، وقال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، إن الرئيس يمنح المحادثات "مساحة"، بينما أشارت تقارير إلى أن نائب الرئيس جيه دي فانس ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين حذرا من مخاطر التصعيد، مع مخاوف بشأن تراجع مخزونات الذخائر الأمريكية.
أسعار الوقود
أثار إعلان الحوثيين، المدعومين من إيران في اليمن، فرض حصار على مضيق باب المندب واستهداف سفن سعودية في البحر الأحمر، مخاوف جديدة بشأن أسواق الطاقة العالمية، إذ يمثل المضيق ممرًا بديلًا مهمًا عن مضيق هرمز، ويؤدي تعطيل حركة الملاحة فيه إلى زيادة الضغوط على سوق النفط.
وتجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ مايو، بعدما ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة بالفعل فوق 4 دولارات للجالون، وهو ما قد يقيد قدرة ترامب على الدفاع عن استمرار الحرب أمام الأمريكيين وحلفائه إذا ارتفعت الأسعار بصورة أكبر.
وأصبحت قدرة ترامب على مواصلة الحرب مرتبطة، إلى حد ما، بمستوى أسعار الوقود، إذ إن ارتفاعها بشكل كبير فوق 4 دولارات للجالون سيجعل من الصعب عليه تقديم مبررات مقبولة لاستمرار الحرب، ليس فقط أمام الرأي العام الأمريكي، ولكن أيضا أمام حلفائه.
خفض التوقعات
واجه ترامب مشكلة أخرى تتمثل في أنه حدد أهدافًا مرتفعة للحرب، بعدما أعلن أنه لن يقبل سوى "الاستسلام غير المشروط" من إيران، وتعهد بمنعها من تطوير سلاح نووي بشكل دائم، كما تحدث عن احتمال انتفاضة الشعب الإيراني ضد قيادته.
لكن هذه الأهداف تقلصت بشكل كبير، وفقًا لشروط مذكرة التفاهم التي انهارت لاحقًا، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية قبول ترامب بتنازلات أكبر للخروج من الحرب، مثل إعادة فتح مضيق هرمز من دون التوصل إلى اتفاق نووي.
وقد يقرر ترامب، في نهاية المطاف، أن إعادة فتح المضيق الهدف الأهم، وأن يترك للدول الأخرى التي تعتمد بدرجة أكبر على حركة الملاحة فيه مهمة التعامل مع الأزمة، وهو خيار قد يضر بالعلاقات الأمريكية مع الحلفاء.
دور الكونجرس
بقي الكونجرس الأمريكي، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، بعيدًا إلى حد كبير عن فرض قيود حقيقية على الحرب، رغم تنامي القلق بشأن تأثيرها على انتخابات التجديد النصفي المقبلة، لكن بعض التطورات الأخيرة قد تدفعه إلى التحرك.
ويمكن للكونجرس الضغط من خلال رفض تمويل الحرب أو تأجيله، إذ أقر مجلس النواب مشروع قانون يتضمن تمويلًا للحرب الأسبوع الماضي، لكن مصيره في مجلس الشيوخ لا يزال غير واضح.
كما يمكنه مواصلة التصويت على قرارات تحد من صلاحيات ترامب بموجب قانون صلاحيات الحرب، وصوّت مجلس النواب بالفعل للمرة الثانية على مثل هذا الإجراء، بينما أيد مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون إجراءً مماثلًا مرة واحدة.
وفي الوقت نفسه، بدأ بعض الجمهوريين في الكونجرس انتقاد تبريرات الإدارة بشأن استمرار العمليات العسكرية، خاصة في ظل الجدل حول الالتزام بالحدود الزمنية التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب، إذ تواصل الإدارة خوض صراع طويل، بينما تقول إن الحرب الحالية تمثل نزاعين منفصلين بسبب وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه بينهما.
وقالت النائبة الجمهورية نانسي ميس، إن وقف الحرب ثم استئنافها بعد أيام "لا يعني شيئًا من الناحية الدستورية"، فيما أدلت السيناتورة ليزا موركوفسكي بتصريحات مماثلة خلال جلسة استماع الأسبوع الماضي.
وأضاف كاسيدي، الذي انتقل مؤخرًا من التصويت للحد من صلاحيات ترامب العسكرية إلى منحه مزيدًا من الوقت، أن الكونجرس قد يحتاج "قريبًا" إلى اتخاذ إجراء بشأن الحرب.