كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحجم في اللحظات الأخيرة عن إطلاق ضربة عسكرية واسعة كانت القوات الأمريكية تترقبها، مع تصاعد النقاش داخل دهاليز البيت الأبيض حول نزيف مخزون صواريخ الاعتراض الأمريكية وتداعياته على مسار الأزمة مع طهران.
على بُعد ساعات من الضربة.. قرار بالتأجيل
نقلت وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين مطلعين، أن القوات كانت مستعدة، يوم الجمعة، لشن سلسلة غارات مكثفة على إيران قابلة للامتداد حتى أسبوعين متواصلين، قبل أن يأتي قرار التأجيل ليُربك الحسابات العسكرية ويُعيد الكرة إلى الملعب الدبلوماسي.
وأوضح المسؤولون أن الرئيس لم يُغلق باب الضربة نهائيًا، إذ لا يزال بإمكانه إصدار أمره في أي لحظة، في ظل وضع وصفوه بالغ التقلب.
خلاف القادة
في قلب هذا القرار، تتقاطع وجهات نظر عسكرية متباينة وصفتها الصحيفة بالحساسة، إذ أبلغ الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، البيت الأبيض بتراجع مخزون صواريخ الاعتراض من نوع باتريوت وغيرها، معربًا عن قلقه من أن هذا الشح يُضيف مخاطر إضافية على أي عملية مقبلة، وإن كان لا يراه عائقًا مطلقًا أمام استئناف القتال.
في المقابل، يحمل الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، رؤية أكثر تفاؤلًا، إذ يرى، وفق ما أوردت الصحيفة، أن ضربات أمريكية مكثفة من شأنها أن تُشل القدرة الإيرانية على إطلاق صواريخ بأعداد كبيرة، مما يُخفف تلقائيًا من الضغط على المخزون.
أما ترامب نفسه فقد رفض القلق جملةً وتفصيلًا، مؤكدًا في بيان للصحيفة أن الولايات المتحدة تمتلك "ما يفوق حاجتها من الذخائر بمراحل"، فيما سارع المتحدثون باسم البيت الأبيض والبنتاجون إلى التأكيد أن الجيش جاهز لأي مهمة يختارها الرئيس.
أرقام مقلقة والخطر يتجاوز إيران
بعيدًا عن المواقف الرسمية، تُلقي الأرقام المستقلة بظلال أثقل، إذ حذر تقرير أبريل، الصادر عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، الذي أعدّه العقيد المتقاعد مارك كانسيان والباحث كريس بارك، من أن "تراجع المخزون يُفرز مخاطر آنية حقيقية"، مُنبِّهْين إلى أن مواجهة قوة كالصين ستستنزف الذخائر بوتيرة أشد حدة.
وفي تقييمهما المُحدَّث الذي أجريا معه مقابلة نشرتها الصحيفة، قدّر الباحثان أن ما لا يقل عن 1500 صاروخ باتريوت استُخدمت منذ بدء المواجهة مع إيران، مما يُبقي الاحتياطي الأمريكي دون حاجز الـ1000 صاروخ.
الميدان يتكلم وطهران لم تُنهَك بعد
لا تقتصر المعضلة على الأرقام وحدها، ففي الأسبوع الماضي، أثبتت إيران أنها لم تُكسَر بعد، حين أطلقت ثلاثة صواريخ باليستية اخترقت الدفاعات وضربت قاعدة أمريكية في الأردن، أحدها استهدف مناطق سكن الجنود، ما أسفر عن مقتل ثلاثة عسكريين أمريكيين.
وأقرّ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بأن معظم الصواريخ أُسقطت، غير أن مسؤولين أمريكيين أشاروا إلى أن إيران باتت تُنوع مسارات صواريخها وحركاتها وسرعاتها، مما يُربك منظومات الدفاع ويرفع معدل استهلاك الاعتراضات.
وعلى الرغم من إعلان وزير الحرب بيت هيجسيث سابقًا، أن البرنامج الصاروخي الإيراني "دُمِّر وظيفيًا"، فإن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين مطلعين على التقديرات الاستخباراتية أكدوا، في أبريل، أن طهران لا تزال تحتفظ بآلاف الصواريخ الباليستية مُخزَّنة في منشآت تحت الأرض.
دبلوماسية الخليج ونتنياهو على الخط
على وقع هذه المعطيات، تتحرك الدبلوماسية الإقليمية بخطى حثيثة، إذ أفادت وول ستريت جورنال بأن دول الخليج، وفي مقدمتها عُمان التي زار دبلوماسيوها طهران، يوم الجمعة، إلى جانب قطر، تسعى إلى إعادة إحياء مسار التفاوض.
وقد لوّح ترامب نفسه بهذا الخيار صراحةً حين قال للصحفيين: "ثمة مخرج عسكري نواصل فيه ما نحن عليه، أو ثمة إستراتيجية أذكى تقوم على عقد صفقة، وهم يريدون الصفقة".
ويزداد المشهد تعقيدًا مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المرتقبة لواشنطن، يوم الثلاثاء، حيث سيبحث، وفق تصريحاته، "جميع الملفات العالقة، في مقدمتها الوضع في إيران".
وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل أوقفت عملياتها ضد إيران منذ يونيو، بطلب من إدارة ترامب، وإن كان بعض المسؤولين يُلمّحون إلى احتمال إشراكها في أي حملة جوية مقبلة، في مشهد لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.