مع استمرار انخفاض معدلات الخصوبة، يتراجع عدد الأطفال في الولايات المتحدة بشكل مستمر، إلا أن المدن الكبرى تشهد الانخفاض الأكثر وضوحًا مقارنة بالمعدل الوطني، ويأتي ذلك مع استمرار انتقال كثير من العائلات إلى مناطق أخرى؛ بحثًا عن تكاليف أقل وجودة حياة أفضل، وفق بيانات وتحليلات حديثة.
تراجع واسع للمواليد
وبحسب تحليل، أجرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، انخفض عدد الأطفال دون 18 عامًا في المدن الأمريكية الكبرى بنسبة 6% خلال العقد الماضي، مقابل تراجع بنسبة 1% على مستوى البلاد، كما سجلت المدن انخفاضًا أكبر بين الأطفال دون الخامسة، ما يعكس اتساع الفجوة بين المدن وبقية الولايات.
أظهر تحليل "وول ستريت جورنال" لبيانات التعداد السكاني بين عامي 2015 و2024، أن عدد الأطفال انخفض في نحو ثلثي المدن الأمريكية البالغ عددها 38 مدينة، يزيد سكان كل منها على 500 ألف نسمة.
وسجل عدد الأطفال دون الخامسة في المدن الكبرى تراجعًا بنسبة 15% خلال العقد الماضي، مقارنة بانخفاض بلغ 7% على مستوى البلاد، وحتى المدن التي واصلت تسجيل نمو سكاني شهدت انخفاضًا في أعداد الأطفال.
وتشير العائلات إلى ارتفاع التكاليف، والمخاوف المتعلقة بالسلامة، وتراجع جودة الحياة باعتبارها أبرز أسباب مغادرة المدن، بينما يختار عدد متزايد من السكان عدم الإنجاب بسبب الأعباء المالية والتنازلات المرتبطة بتكوين الأسرة.
تفاوت المدن
يشمل هذا التراجع المدن بمختلف مستوياتها الاقتصادية، ففي سان خوسيه بولاية كاليفورنيا، حيث يبلغ متوسط دخل الأسرة نحو ضعف المتوسط الأمريكي، انخفض عدد الأطفال دون الخامسة بنسبة 34%، وهي أعلى نسبة بين المدن الكبرى.
وفي المدن الأقل تكلفة نسبيًا، تراجع عدد الأطفال بنسبة 15% في ألبوكيرك بولاية نيو مكسيكو، وبنسبة 11% في ميلووكي، ما يعكس استمرار الظاهرة بغض النظر عن المستوى الاقتصادي.
كما بدأت اقتصادات المدن تتأثر بهذا التحول، إذ تمثل الأسر جزءًا مهمًا من القاعدة الضريبية، بينما يؤدي انخفاض عدد الأطفال إلى تراجع الدعم المخصص للمدارس الحكومية وفرض خيارات صعبة مع انخفاض أعداد الطلاب.
انخفاض الإنجاب
بدأت بعض البلديات توفير خدمات رعاية أطفال مجانية، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الإجراءات ستدفع مزيدًا من الأسر إلى الإنجاب أو البقاء داخل المدن.
وقال كونور أوبراين، الباحث في معهد التقدم، إن الناس استقروا في المدن بعد الأزمة المالية بين عامي 2008 و2009؛ بسبب توافر فرص العمل، لكن مع اتساع النمو الاقتصادي في أواخر العقد الثاني من الألفية بدأت العائلات تبحث عن فرص في أماكن أخرى.
وأضاف أن انخفاض عدد الأطفال في المدن بدأ عام 2017، ثم تسارع مع جائحة كوفيد-19 التي وسعت فرص العمل عن بُعد، ما منح العائلات خيارات أكبر للانتقال إلى الضواحي أو مناطق أبعد.
يُعَد انخفاض معدلات المواليد من أبرز أسباب هذا التحول، إذ تراجع عدد المواليد في الولايات المتحدة بنسبة 9% خلال العقد الماضي، ويرتبط ذلك أساسًا بانخفاض الإنجاب بين النساء في سن المراهقة والعشرينيات.
كما يتراجع معدل المواليد بوتيرة أكبر بين النساء من أصول إسبانية، اللواتي يشكّلن نسبة كبيرة من السكان في بعض المدن، وفق بيانات "وول ستريت جورنال".
وأظهر تحليل أجراه كونور أوبراين أن معدلات المواليد في المقاطعات الحضرية الكبرى انخفضت بنسبة 18% بين عامي 2010 و2024، وهو أكبر تراجع بين جميع أنواع المقاطعات.
أسباب الانخفاض
في نيويورك، انخفض عدد الأطفال بنسبة 8% خلال العقد الماضي مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، إذ قالت ميليسا بامفري، كبيرة الاقتصاديين في مؤسسة التنمية الاقتصادية بالمدينة، إن نيويورك فقدت منذ عام 2000 نحو 80 ألف أسرة تضم أشخاصًا بين 30 و54 عامًا، متزوجين أو لديهم طفل واحد على الأقل دون 18 عامًا، نتيجة تراجع أعداد الأسر متوسطة الدخل.
وأرجع تحليل "وول ستريت جورنال" نصف الانخفاض البالغ 15% في عدد الأطفال إلى مغادرة عدد أكبر من العائلات مقارنة بالوافدين، بينما ارتبط النصف الآخر بانخفاض المواليد، وذلك مثال ما شهدته مدينة في مدينة ألبوكيرك.
كما تراجعت المواليد في مقاطعة بيرناليلو، التي تضم معظم سكان المدينة، بنسبة 20% خلال العقد الماضي، ما أسهم في استمرار انخفاض أعداد الأطفال، وفي فيلادلفيا، انخفض عدد الأطفال بنسبة 6%.
وفي دنفر، انخفض عدد الأطفال بنسبة 9%؛ نتيجة انتقال عدد أكبر من الأسر التي لديها أطفال إلى خارج المدينة، إلى جانب انخفاض المواليد بنسبة 7%، وهو ما يعني تراجعًا يقارب سبعة آلاف مولود مقارنة بما كان سيحدث لو بقيت المعدلات مستقرة.
شيخوخة السكان
أظهر تحليل أجراه مراقب حسابات مدينة "نيويورك" أن الوالدين يحتاجان إلى دخل سنوي يبلغ 334 ألف دولار لتغطية تكاليف رعاية طفل يبلغ عامين بصورة مريحة.
كما يبلغ متوسط إيجار الشقق التي تضم ثلاث غرف نوم أو أكثر نحو 5495 دولارًا شهريًا في أنحاء المدينة، وفق موقع "ستريت إيزي".
يبدي اقتصاديون قلقهم من شيخوخة السكان، لما تعنيه من انخفاض عدد دافعي الضرائب في سن العمل وارتفاع أعداد المتقاعدين الذين يعتمدون على برامج الرعاية الصحية الحكومية والضمان الاجتماعي.
وقال جيف كليمنز، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، إن بعض المدن تمكنت من خفض الإنفاق على المدارس العامة مع تراجع أعداد الأطفال، بينما واجهت مدن أخرى صعوبة في ذلك، ما أدى إلى ارتفاع الإنفاق لكل طالب.
وأضاف أن الخطر الأكبر يتمثل في أن يكون تراجع أعداد الأسر جزءًا من انخفاض عام في عدد السكان وتآكل القاعدة الضريبية للمدينة، بينما تتجنب المدن التي تستبدل الأسر ببالغين ميسورين لا ينجبون أطفالًا هذا المصير حتى الآن.