كشف تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسريع إدخال طائرة "بوينج 747-8"، التي قدمتها دولة قطر هدية لوزارة الحرب الأمريكية، للعمل كطائرة رئاسية، أدى إلى تجاوزات في الجدول الزمني، وارتفاع كبير في التكلفة، إلى جانب الاستغناء عن بعض التجهيزات الأمنية الموجودة في طائرات الرئاسة "إير فورس وان" التقليدية.
وبحسب الصحيفة، بدأت القصة في فبراير 2025، عندما زار ترامب الطائرة في مطار "بالم بيتش" بولاية فلوريدا بعد نقلها من الدوحة خصيصًا لعرضها عليه. وكانت الطائرة، التي صُممت في الأصل للعائلة الأميرية القطرية، مزودة بتجهيزات فاخرة شملت أجنحة خاصة وصالات استقبال فاخرة وتشطيبات من الجلد والخشب.
وفي ظل تعثر برنامج شركة "بوينج" الخاص بإنتاج الجيل الجديد من طائرات الرئاسة الأمريكية، طلب فريق ترامب من القوات الجوية البحث عن بديل مؤقت. وبعد الجولة، حسم الرئيس قراره باختيار الطائرة القطرية، مطالبًا بأن تكون جاهزة قبل احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة في الرابع من يوليو 2026.
ويشير التحقيق إلى أن هذا القرار أدخل البيت الأبيض والبنتاجون في سباق مع الزمن، إذ جرى تقليص برنامج التحديث من عدة سنوات إلى أقل من ثمانية أشهر، وهو ما اعتبره خبراء في صناعة الطيران فترة غير كافية لتحويل طائرة مدنية أو ملكية إلى منصة رئاسية تستوفي جميع متطلبات الأمن والاتصالات والاستمرارية في حالات الطوارئ.
وأكدت الصحيفة أن ترامب "لم يكن مجرد متابع للمشروع، بل شارك شخصيًا في اعتماد العديد من القرارات المتعلقة بالطائرة، بما في ذلك اختيار التصميم الداخلي، وألوان الطلاء، وبعض أنظمة الاتصالات والتجهيزات الأمنية"، وفقًا لمسؤولين مطلعين .
وتلفت "نيويورك تايمز" إلى أن اهتمام ترامب بطائرة الرئاسة يعود إلى ولايته الأولى، إذ كان يعتبر الطائرتين الرئاسيتين الحاليتين، اللتين دخلتا الخدمة مطلع التسعينيات، رمزًا للتقادم لا يليق بصورة الولايات المتحدة.
وقال ترامب في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" خلال زيارته للشرق الأوسط عام 2025 إن مشاهدة الطائرات الحديثة التي تستخدمها السعودية والإمارات وقطر إلى جانب الطائرة الرئاسية الأمريكية القديمة أمر "محرج"، مضيفًا أن الولايات المتحدة "يجب أن تمتلك الطائرة الأكثر إثارة للإعجاب في العالم".
تنازلات أمنية
وفقًا للتحقيق، فإن النسخة المعدلة من الطائرة لا تضم عددًا من التجهيزات الأساسية الموجودة في الأسطول الرئاسي الحالي، أبرزها المدخل السفلي المستقل الذي يسمح للرئيس بالصعود والنزول بعيدًا عن السلالم الخارجية في البيئات الخطرة، ووحدة طاقة احتياطية إضافية تضمن استمرار تشغيل أنظمة الاتصالات في حالات الطوارئ، فضلًا عن بعض أنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة القائمة على الأشعة تحت الحمراء.
كما لم يتضح ما إذا كانت الطائرة زُودت بجميع وسائل الحماية الإلكترونية والهيكلية التي تتمتع بها طائرات الرئاسة الأمريكية الحالية، مثل مقاومة النبضات الكهرومغناطيسية الناتجة عن الانفجارات النووية، أو أنظمة الدفاع الذاتي المتقدمة. وبينما رفض البيت الأبيض ووزارة الحرب الكشف عن تفاصيل القدرات الدفاعية للطائرة، مكتفيين بالقول إنها "آمنة ومحمية بشكل جيد".
في المقابل، تلفت الصحيفة إلى أن "المخاوف الأمنية لم تظل نظرية، إذ برزت خلال زيارة ترامب إلى تركيا في يوليو الماضي، عندما تلقت أجهزة الأمن الأمريكية معلومات عن تهديد جدي من جماعات مرتبطة بإيران، ما دفع جهاز الخدمة السرية إلى التوصية بعدم استخدام الطائرة الجديدة في رحلة المغادرة، والعودة إلى استخدام الطائرة الرئاسية القديمة".
ورغم أن ترامب لم يشر علنًا إلى تلك الأسباب، فإن الواقعة أعادت الجدل حول مدى جاهزية الطائرة الجديدة للرحلات الخارجية، خاصة في مناطق التوتر.
ونقلت الصحيفة عن فرانك كيندال، وزير القوات الجوية الأمريكي السابق، إن الطائرة الجديدة "تضيف قدرًا من المخاطرة" مقارنة بطائرات "إير فورس وان" الحالية، معتبرًا أن استخدامها في الرحلات الخارجية أثار دهشة كثيرين ممن عملوا في برنامج الطائرة الرئاسية.
تكلفة تتجاوز المعلن
يشير التحقيق إلى أن الإدارة الأمريكية أعلنت إنفاق نحو 400 مليون دولار على تحديث الطائرة، إلا أن التكلفة الفعلية للمشروع تجاوزت ذلك بكثير.
فإلى جانب أعمال التحديث، اضطرت القوات الجوية إلى استئجار طائرة شحن من طراز 747-8 لتدريب الطيارين على قمرة القيادة الجديدة، كما اشترت طائرتين إضافيتين من شركة "لوفتهانزا"، إحداهما لتدريب الأطقم والأخرى لتوفير قطع الغيار، مقابل نحو 400 مليون دولار إضافية.
كما استخدمت وزارة الحرب أموالًا من برنامج تحديث منظومة الردع النووي "سينتينل" لتمويل أجزاء من المشروع، وهو ما أثار انتقادات داخل الكونجرس، حيث اتهم مشرعون الإدارة بإخفاء التكلفة الحقيقية للمشروع عبر بنود إنفاق سرية.
وتولى تحديث الطائرة شركة L3Harris، التي خصصت نحو 400 موظف للعمل على مدار الساعة لإنجاز المشروع في الموعد المحدد. وبدأت الأعمال بفحص شامل للطائرة للتأكد من خلوها من أي أجهزة تنصت أو مكونات إلكترونية غير معروفة، قبل تركيب أنظمة اتصالات مؤمنة تسمح للطائرة بالعمل كمركز قيادة رئاسي متنقل. إلا أن مسؤولي الشركة أقروا بأن ضيق الوقت فرض قيودًا على حجم التعديلات الممكنة، إذ اقتصر العمل على تحديثات داخلية وأنظمة الاتصالات، بينما تعذر إجراء تغييرات هيكلية واسعة داخل جسم الطائرة.
كما أشار التحقيق إلى أن الطائرة واجهت تحديات فنية أخرى، من بينها ضرورة فحص الشقوق الهيكلية التي سبق أن حذرت منها إدارة الطيران الفيدرالية في طائرات 747-8، إضافة إلى الحصول على موافقات استثنائية لبعض ترتيبات المقاعد الداخلية قبل بدء استخدامها رسميًا.
في مقابل الانتقادات، أكدت القوات الجوية الأمريكية أن المشروع أنجز بنجاح، وأن الطائرة استوفت متطلبات السلامة الأساسية، مشيرة إلى أن الفريق المسؤول اضطر فقط إلى تقليص بعض "المهام الأقل استخدامًا" دون المساس بسلامة الرئيس أو قدرات الاتصالات.
كما شدد البيت الأبيض على أن الطائرة "جاهزة تمامًا للمهام الرئاسية"، وأنها ستخضع لمزيد من التطوير خلال الأشهر المقبلة لتعزيز أنظمة الدفاع والأمن.