لم يكن هاني شنودة يخطط لأن يصبح أحد أبرز الموسيقيين في مصر، ولم تكن الموسيقى بالنسبة له مشروعًا رسمه منذ الطفولة، بقدر ما كانت رحلة قادته إليها المصادفات والبيئة التي نشأ فيها، ثم تحولت مع الوقت إلى شغف، قبل أن تصبح مهنة ترك من خلالها بصمة واضحة في تاريخ الأغنية المصرية الحديثة.
وغيّب الموتُ اليوم الاثنين، الموسيقار المصري الكبير هاني شنودة عن عمر ناهز 83 عامًا، داخل أحد مستشفيات القاهرة، ليسدل الستار على مسيرة فنية امتدت لعقود، برز خلالها كأحد أهم رواد الموسيقى المصرية المعاصرة.
على مدى أكثر من خمسة عقود، ارتبط اسم هاني شنودة بتجارب موسيقية مختلفة، بدءًا من تأسيس فرقة "المصريين"، مرورًا باكتشاف عدد من أبرز نجوم الغناء، وصولًا إلى وضع الموسيقى التصويرية لعشرات الأعمال السينمائية، في مسيرة لم تتوقف عند النجاح الجماهيري، بل امتدت إلى التأثير في شكل الموسيقى المصرية نفسها.
البداية من طنطا
ولد هاني شنودة عام 1943 في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، وهي مدينة تركت أثرًا واضحًا في تكوينه الفني؛ ففي تلك الفترة كانت الموسيقى حاضرة داخل كثير من البيوت، خاصة مع انتشار تعليم العزف على البيانو بين أبناء العائلات الميسورة، بينما كانت المدينة تعيش في الوقت نفسه أجواء الموالد والإنشاد الديني والابتهالات الصوفية.
داخل منزله، كانت والدته تجيد العزف على البيانو والعود، وتردد أغنيات أم كلثوم، لكنها كانت ترى أن صوت ابنها لا يصلح للغناء، وكانت تخبره بذلك كلما حاول أن يغني، ولم يكن هذا الرأي سببًا في إبعاده عن الموسيقى، بل تحول إلى دافع دفعه للبحث عن طريقة أخرى للتعبير، فوجدها في العزف والتأليف.
وخارج المنزل، كان عالم آخر ينتظره، إذ اعتاد الطفل الصغير التجول في موالد طنطا، خاصةً مولد السيد البدوي وغيره من المواسم الشعبية، حيث استمع إلى المدّاحين والمنشدين وحلقات الذكر، وشاهد فرق الرقص الشعبي، وحرص على شراء المزامير والطبول الصغيرة ليجرب العزف عليها، ومن هذه التفاصيل صُنِعَت أذنه الموسيقية قبل أن يتعلم قراءة النوتة أو يجلس أمام آلة البيانو.
الموسيقى تبدأ من المدرسة
لم ينتظر هاني شنودة سنوات طويلة حتى يقترب عمليًا من الموسيقى، ففي أثناء الدراسة، اتفق مع مجموعة من زملائه على تكوين فرقة موسيقية مدرسية، وكان أفراد المجموعة يعودون إلى المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي، ويتسللون إلى غرفة الموسيقى لاستخدام الآلات الموجودة بها، حتى أثارت الأصوات التي كانت تخرج من المدرسة بعد إغلاقها دهشة العاملين، الذين اعتقدوا في البداية أن المكان تسكنه الأشباح، وكانت تلك التجربة أول احتكاك مباشر له بالآلات الموسيقية، ومنها بدأ ارتباطه الحقيقي بالعزف.
لحظة غيّرت كل شيء
رغم وجود البيانو داخل منزل الأسرة، فإن علاقته الحقيقية بهذه الآلة بدأت في مرحلة الدراسة الثانوية، عندما دخل إحدى الغرف وجلس أمام البيانو للمرة الأولى بدافع الفضول.
ضغط على مفتاح ثم الآخر، واستمع إلى تتابع النغمات دون أن يدرك وقتها أنه يعزف السلم الموسيقي كانت تلك اللحظة نقطة التحول في حياته، إذ أصبح البيانو جزءًا من يومه، حتى إنه كان يقضي ساعات طويلة في العزف والتجريب، ولم يعد يفكر في مستقبل بعيد عن الموسيقى، حسبما يروي في حوار نادر.
معركة اختيار الطريق
بعد انتهاء المرحلة الثانوية، حصل هاني شنودة على مجموع كان يؤهله للالتحاق بكلية الصيدلة، وهو ما كانت تتمناه عائلته، خاصة أن عددًا من أفرادها كانوا يعملون في هذا المجال.
لكن الشاب، الذي اكتشف شغفه بالموسيقى، لم يكن مستعدًا للتخلي عنه، وأعلن رغبته في الالتحاق بكلية التربية الموسيقية، وهو قرار قوبل برفض داخل الأسرة.
دار نقاش طويل بينه وبين والده وأعمامه، قبل أن يحسم الأمر بكلمات، قال فيها إنه سيكون قادرًا على الاعتماد على نفسه إذا أصبح موسيقيًا، بينما لن ينجح إذا دخل مجالًا لا يحبه، وفي النهاية اقتنعت الأسرة بقراره، لينتقل إلى دراسة الموسيقى بشكل أكاديمي، في خطوة شكّلت البداية الحقيقية لمشواره الفني.
أول أجر من الموسيقى
بالتزامن مع الدراسة، لعبت الصدفة دورًا مهمًا في مسيرته؛ ففي أحد الأيام لفت انتباهه شاب يعزف الجيتار على سطح مبنى مقابل للكلية، وكان الشاب هو نبيل شديد صعب، الذي كان يبحث عن عازف بيانو لاستكمال فرقته الموسيقية.
بدأ التعاون بينهما سريعًا، وانضم إليهما عازف الدرامز هراير شهرزيان، لتبدأ أولى تجارب هاني شنودة الاحترافية في العزف داخل النوادي وأماكن السهر بالإسكندرية.
ومن تلك الفرقة، حصل على أول أجر في حياته مقابل الموسيقى، وكان ربع جنيه، وهو المبلغ الذي يعتبره بداية تحوله من هاوٍ يعشق العزف إلى موسيقي يعمل بما يحب.
من الهواية إلى الاحتراف
لم يتوقف مشواره عند تلك التجربة، إذ جاءت الفرصة الأكبر عندما انضم إلى فرقة Les Petits Chats، بدلًا من عازف البيانو عزت أبو عوف؛ الذي انشغل بدراسة الطب.
وضمّت الفرقة في فترات مختلفة أسماءً أصبحت لاحقًا من أبرز رموز الموسيقى في مصر، من بينهم عمر خيرت، وعمر خورشيد، وفريدي رزق، وجورج لوكاس، وبيرج أندرسيان، وغيرهم.
ويصف هاني شنودة تلك المرحلة بأنها كانت مدرسة حقيقية في الاحتراف، ليس فقط بسبب مستوى الموسيقى التي كانت تقدمها الفرقة، وإنما أيضًا بسبب المنافسة الفنية الراقية التي جمعتها بفرق أخرى في ذلك الوقت.
تلك المحطة لم تكن سوى بداية فصل جديد في حياته، إذ كان ينتظره بعد سنوات لقاء سيغير مسار مشواره بالكامل، عندما جمعته الصدفة بالفنان عبد الحليم حافظ، لتبدأ بعدها رحلة تأسيس فرقة "المصريين"، التي أصبحت واحدة من أهم التجارب الموسيقية في تاريخ الأغنية المصرية، ويحكي في لقاء متلفز، ويقول: "خلال إحدى المناسبات، التقى الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، الذي طلب مني أن أعزف إحدى أغنياتي ليتعرف إلى أسلوبي الموسيقي".
اختار شنودة أغنية "أهواك"، وبعد انتهائه من العزف أبدى عبد الحليم إعجابه بما قدمه، واقترح عليه تأسيس فرقة موسيقية تقدم هوية مختلفة تعبر عن الموسيقى المصرية بروح جديدة.
تأسيس "المصريين"
في عام 1977، أسس هاني شنودة فرقة "المصريين" التي ضمّت إيمان يونس، وممدوح قاسم، وتحسين يلمظ، وليلو، وهاني الأزهري، لتقدم نموذجًا جديدًا في الأغنية المصرية، اعتمد على التوزيع الموسيقي الحديث مع الحفاظ على الهوية المحلية.
وأصدرت الفرقة أول ألبوماتها بعنوان "بحبك لا"، لتلفت الأنظار سريعًا، وتصبح واحدة من أبرز التجارب الغنائية التي ظهرت في نهاية السبعينيات، حيث أسهمت في تقديم شكل مختلف للأغنية الجماعية، كما فتحت الباب أمام تطوير أساليب التوزيع الموسيقي في مصر.
ولم يقتصر دور هاني شنودة داخل الفرقة على قيادة الموسيقى، بل كان صاحب رؤية هدفت إلى تقديم أعمال تجمع بين البساطة والتجديد، وهو ما منح "المصريين" حضورًا استمر تأثيره حتى بعد توقف نشاطها.
عين تبحث عن الموهبة
لم يُعرَف هاني شنودة كمؤلف وموزع موسيقي فقط، بل ارتبط اسمه أيضًا باكتشاف عدد من الأصوات التي أصبحت لاحقًا من أبرز نجوم الغناء العربي.
ومن أشهر تلك القصص، لقاؤه الأول مع المطرب عمرو دياب في مدينة بورسعيد، أثناء وجوده مع فرقة "المصريين"، ويروي شنودة أن شابًا طرق باب غرفته بالفندق وطلب منه الاستماع إلى صوته، وبعد أن غنى، وجد أنه يمتلك خامة مميزة، لكنه نصحه بالتخلص من اللهجة البورسعيدية إذا أراد احتراف الغناء والوصول إلى جمهور أوسع.
وفي اليوم التالي، فوجئ بالشاب ينتظر الفرقة للعودة معها إلى القاهرة، وهناك ساعده في الالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، قبل أن يلاحظ حجم إصراره على تحقيق حلمه.
مع محمد منير
تكررت التجربة مع الفنان محمد منير، عندما اصطحبه الشاعر الراحل عبد الرحيم منصور إلى هاني شنودة، طالبًا منه البحث عن شكل موسيقي جديد يبرز موهبة المطرب النوبي الشاب.
بدأ شنودة في دمج الإيقاعات النوبية مع الموسيقى الغربية، لتخرج تجربة مختلفة عن السائد في ذلك الوقت، ثم تولى تلحين أربع أغنيات ضِمن ألبوم "علموني عنيكي"، الذي شكّل إحدى المحطات المهمة في انطلاقة محمد منير الفنية.
تجارب مع كبار المطربين
امتدت مسيرة هاني شنودة لتشمل التعاون مع عدد كبير من نجوم الغناء؛ فقدم ألحانًا وتوزيعات موسيقية لعدد من أبرز الأصوات في مصر والعالم العربي، من بينهم أحمد عدوية ونجاة الصغيرة، كما حظي بتقدير العديد من الفنانين الذين رأوا في أسلوبه الموسيقي إضافة مختلفة إلى الأغنية المصرية.
ومن المواقف التي ظل يتذكرها إشادة الفنانة نجاة الصغيرة بألحانه، عندما قالت له إن طريقته في التلحين تختلف عن كثير من الملحنين، وهو ما اعتبره واحدًا من أكثر أشكال التقدير التي تلقاها خلال مشواره.
التجديد والحفاظ على الهوية
ارتبط اسم هاني شنودة بإدخال أنماط موسيقية حديثة إلى الأغنية المصرية، لكنه ظل يؤكد أن التطوير لا يعني التخلي عن الهوية الفنية.
وعند حديثه عن الأغاني الشعبية الحديثة، أو ما يُعرف بـ"أغاني المهرجانات"، أوضح أنه يؤمن بحرية وجود مختلف الألوان الموسيقية، لكنه يرى في الوقت نفسه أهمية وجود ضوابط تنظم الساحة الفنية، مؤكدًا أن تعدد الأذواق أمر طبيعي، وأن الحكم النهائي يبقى للجمهور.
التقدير الحقيقي
رغم حصوله على العديد من الجوائز والتكريمات، يؤكد هاني شنودة أن أكثر ما بقي في ذاكرته لم يكن درعًا أو شهادة تقدير، بل رسالة كتبها له أحد الأشخاص على منديل ورقي داخل أحد المطاعم، عبّر فيها عن استمتاعه بما يقدمه، وطلب منه أن يستمر في تقديم موسيقاه دون أن يغير أسلوبه.
ويرى شنودة أن هذا النوع من التقدير الصادر من الجمهور يحمل قيمة خاصة؛ لأنه يعكس وصول الموسيقى إلى الناس، وهو الهدف الذي سعى إليه طوال رحلته الفنية، ويقول في حوار متلفز: "الفن أنصفني ومنحني أكثر مما كنت أتوقع، وارتباط الجمهور بأعمالي على مدار سنوات طويلة يمثل التقدير الذي أعتز به".
وقف الموسيقار هاني شنودة عند حصوله على جائزة الدولة التقديرية، التي اعتبرها من أهم الجوائز التي مُنِحَت له، وتحدث عن الجائزة وكيفية ترشيحه لها، قائلًا لـ "القاهرة الإخبارية": "لم أكن أحلم في يوم من الأيام أن أحصل على هذه الجائزة المهمة في حياتي، والتي تؤكد تقدير الدولة لمشواري الفني الطويل، فهذه الجائزة لا يضاهيها في الفخر أي جائزة أخرى".
الموسيقى التصويرية
إلى جانب مشواره مع الأغنية، ترك هاني شنودة بصمة واضحة في الموسيقى التصويرية، إذ وضع الموسيقى لعدد كبير من الأفلام المصرية، وكان من أبرزها الأعمال التي جمعت اسمه بالفنان عادل إمام.
ويقول شنودة إنه يعتبر نفسه محظوظًا؛ لأنه شارك في تقديم الموسيقى التصويرية لـ12 فيلمًا من بطولة الزعيم، مشيرًا إلى أن تلك التجربة تمثل واحدة من أهم محطات مسيرته.
ومن بين الأفلام التي وضع موسيقاها: "الحريف"،"الغول" و"عصر الذئاب"، وغيرها من الأعمال التي ارتبطت فيها الموسيقى بالأحداث الدرامية، لتصبح عنصرًا أساسيًا في بناء الحالة النفسية للمشاهد.
ويرى أن الموسيقى التصويرية لا تقل أهمية عن الصورة أو الأداء التمثيلي؛ لأنها تمهد للمشهد، وتساعد الجمهور على التفاعل مع تفاصيله، وهو ما جعله يتعامل معها باعتبارها جزءًا من البناء الدرامي للعمل، وليس مجرد خلفية موسيقية.
التراث بروح جديدة
ورغم امتداد مسيرته لعقود، لم يتوقف هاني شنودة عن البحث عن أفكار جديدة، والاندماج مع الشباب ومساعدتهم، ومن أحدث تجاربه إعادة تقديم أغنية "بحلم معاك"، التي غنتها نجاة الصغيرة قبل أكثر من أربعين عامًا، في رؤية موسيقية مختلفة، بمشاركة مغني الراب زياد ظاظا والمطربة الشابة تينا.
وحافظ العمل على كلمات الشاعر الراحل عبد الرحيم منصور، وألحان وتوزيع هاني شنودة، مع صياغة موسيقية استهدفت تقريب الأغنية من الأجيال الجديدة؛ في محاولة لربط التراث الغنائي المصري بالاتجاهات الموسيقية الحديثة.
ضد الوصفات الجاهزة
يتعامل هاني شنودة مع كل عمل موسيقي باعتباره تجربة مستقلة، ولذلك يؤكد أنه لا يملك طقوسًا ثابتة قبل التأليف أو التلحين، وأن البداية دائمًا تكون بفكرة أو إحساس يدفعه إلى العمل.
ويشير إلى أن أي لحن يمر بمراحل متتالية من التجريب والتعديل قبل أن يصل إلى صورته النهائية، موضحًا أنه يراجع نفسه مرات عديدة قبل تقديم أي عمل للجمهور؛ إيمانًا بأن مسؤولية الفنان لا تتوقف عند الإنتاج، بل تمتد إلى جودة ما يقدمه.