تسعى إسرائيل والمنظمات الداعمة لها في الولايات المتحدة إلى احتواء التراجع المتزايد في صورتها داخل الأوساط السياسية والشعبية الأمريكية، في ظل موجة انتقادات غير مسبوقة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، على خلفية حربها على غزة، والتطورات في الضفة الغربية المحتلة، والملف الإيراني.
وتقود إسرائيل وحلفاؤها، بشكل علني وخلف الكواليس، جهودًا متعددة لإعادة ترميم العلاقات مع واشنطن، تشمل التواصل مع أعضاء الكونجرس، وتوجيه الإنفاق الانتخابي لدعم المرشحين المؤيدين لها، إضافة إلى زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة في وقت لاحق من الشهر الجاري، بحسب مسؤولين إسرائيليين وقادة منظمات مؤيدة لإسرائيل.
الانتقادات تتصاعد
وشهدت الانتقادات الأمريكية لإسرائيل تصعيدًا لافتًا هذا الأسبوع، بعدما صوّت أكثر من 100 نائب ديمقراطي في مجلس النواب لصالح مشروع قرار -لم يمر- يدعو إلى وقف المساعدات لإسرائيل، في حين اتهم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إسرائيل بشن حملة إلكترونية ضده بسبب مواقفه المتعلقة بالمفاوضات مع إيران، بحسب صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية.
وتعد الولايات المتحدة الحليف الدولي الأهم لإسرائيل، ما يجعل تدهور العلاقات معها مصدر قلق بالغ لتل أبيب. إلا أن مراقبين يرون أن إسرائيل تواجه اليوم تحديًا أصعب من الخلافات السابقة مع الإدارات الأمريكية، في ظل تنامي الاستياء داخل واشنطن من سياساتها في غزة وإيران والضفة الغربية المحتلة منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023.
كما تُظهر استطلاعات الرأي تراجعًا في مستوى التأييد الشعبي لإسرائيل، وهو ما بدأ ينعكس تدريجيًا على مواقف الساسة الأمريكيين.
وتزيد الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة من صعوبة وضع استراتيجية طويلة الأمد لتحسين صورة إسرائيل، في ظل الغموض الذي يحيط بالمستقبل السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وفي المقابل، تركّز بعض المنظمات المؤيدة لإسرائيل على تعزيز العلاقات مع الحلفاء الذين ما زالوا يدعمونها داخل الكونجرس.
ونقلت "بوليتيكو" عن المدير التنفيذي لمركز المناصرة التابع لاتحاد اليهود الأرثوذكس، ناثان ديامنت، إن المركز طلب من أعضائه التواصل مع النواب الديمقراطيين الذين صوّتوا ضد وقف المساعدات لإسرائيل لتوجيه رسائل شكر لهم، مضيفًا: "أول ما نريد القيام به هو دعم أصدقائنا".
كما أكد الرئيس التنفيذي للجنة اليهودية الأمريكية، تيد دويتش، أنه كثّف لقاءاته مع أعضاء الكونجرس، مشيرًا إلى أن منظمته وزعت على المشرعين وموظفيهم دليلًا لمواجهة معاداة السامية، معتبرًا أن ذلك يمثل جزءًا مهمًا من الجهود الحالية.
تحركات دبلوماسية
وعلى الصعيد الرسمي، يزور وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الولايات المتحدة هذا الأسبوع، حيث يسعى إلى عقد لقاءات مع مسؤولين أمريكيين على هامش فعالية تتناول تصاعد ما تصفه إسرائيل بالإرهاب الذي تمارسه جماعات اليسار المتطرف.
كما يواصل السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر لقاءاته المنتظمة مع أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونجرس، بالتوازي مع نشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي للدفاع عن السياسات الإسرائيلية والرد على الانتقادات.
ولم تكن التطورات الأخيرة مقتصرة على تصويت مجلس النواب أو تصريحات فانس، إذ اتهم النائب الديمقراطي رو خانا، الذي يتوقع أن يترشح للرئاسة مستقبلا، مستوطنين وجنودا إسرائيليين باحتجازه فعليًا خلال زيارته الضفة الغربية المحتلة.
وفي سياق متصل، حذر رام إيمانويل، السفير الأمريكي السابق في اليابان وأحد الأسماء المطروحة للترشح عن الحزب الديمقراطي، خلال خطاب ألقاه في إسرائيل، من أن تل أبيب قد تواجه عقوبات وتراجعًا في التمويل العسكري الأمريكي إذا لم توقف العنف ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم.
ورد السفير الإسرائيلي لايتر على اتهامات خانا، متهمًا النائب الأمريكي بعدم التنسيق مع السلطات الإسرائيلية قبل زيارته للضفة الغربية المحتلة.
لكن مسؤولين أمريكيين سابقين يرون أن جهود تحسين الصورة قد لا تكون كافية.
وقال نيد برايس، المسؤول السابق في إدارتي باراك أوباما وجو بايدن: "هذه ليست أزمة يمكن إصلاحها بعقد مكلف مع جماعات الضغط، بل تتعلق بالسلوك والسياسات على الأرض".
وتشير استطلاعات الرأي إلى تراجع الدعم لإسرائيل بين الديمقراطيين والجمهوريين، خصوصًا لدى الأجيال الشابة التي تبدي تعاطفًا أكبر مع الفلسطينيين، إلى جانب تنامي استياء بعض الجمهوريين من استمرار الانخراط الأمريكي في صراعات خارجية، من بينها المواجهة بين إسرائيل وإيران.
الرهان على الانتخابات
وتواصل منظمات مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) والائتلاف اليهودي الجمهوري إنفاق ملايين الدولارات لدعم مرشحين مؤيدين لإسرائيل واستهداف مرشحين يُعتقد أنهم أقل دعمًا لها.
ومن المتوقع أن تشكّل زيارة نتنياهو المرتقبة إلى الولايات المتحدة أبرز محاولات احتواء الأزمة، إذ يُرجح أن تتزامن مع مراسم تأبين السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي جراهام.
كما يتوقع أن يشكل مؤتمر القيادة السنوي للائتلاف اليهودي الجمهوري الشهر المقبل فرصة لإعادة طرح الموقف الإسرائيلي، خاصة مع احتمال مشاركة الرئيس دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس، في ظل تزايد الانتقادات داخل قاعدة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" تجاه العلاقة مع إسرائيل.
ورغم استمرار دعم ترامب لإسرائيل، بما في ذلك اعترافه بالقدس عاصمة لها خلال ولايته الأولى، فإن إدارته تسعى حاليًا إلى تهدئة التوتر بين إسرائيل ولبنان، كما أبدى ترامب تحفظًا على إطالة أمد المواجهة مع إيران رغم الضربات الأمريكية الأخيرة.
وفي المقابل، دعت منظمة الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل الحكومة الإسرائيلية إلى اعتبار تصويت مجلس النواب "جرس إنذار"، مؤكدة أن الديمقراطيين يعبرون عن استياء متزايد من سياسات حكومة نتنياهو، ولا سيما ما يتعلق بالتوسع الاستيطاني، والعنف في الضفة الغربية المحتلة، والدمار في قطاع غزة.
كما أشارت مجلة "تايم" إلى أن إسرائيل نفذت حملة تأثير إعلامية استهدفت أنصار حركة "ماجا"، وهي المزاعم التي نفتها وزارة الخارجية الإسرائيلية، ووصفت التقرير بأنه "تشهيري".
ويرى محللون أن تحسين صورة إسرائيل في الولايات المتحدة لن يتحقق عبر الحملات الإعلامية وحدها، بل يتطلب تغييرات سياسية ملموسة، خاصة فيما يتعلق بالضفة الغربية وقطاع غزة.
وقال دان شابيرو، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، إن الحوار والزيارات لم تعد كافية، وإن استعادة الدعم الديمقراطي تتطلب تغييرًا جادًا في السياسات الإسرائيلية، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل الحكومة الحالية، ما يجعل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة محطة حاسمة في مستقبل العلاقات مع واشنطن.