كشفت واحدة من نشطاء "أسطول الحرية" عن تعرضها لتفتيش غير قانوني في مركز احتجاز إسرائيلي، بعدما أجبرتها حارسات السجن على الركوع، وقمن بتغطية فمها لمنعها من الصراخ، واغتصبنها، وفقًا لمقابلات وشكوى جنائية تم تقديمها في إسرائيل.
وانضمت آنا ليدتك، البالغة من العمر 25 عامًا، إلى أسطول أبحر من أوروبا إلى قطاع غزة حاملًا مساعدات إنسانية في خريف العام الماضي، عندما اعترض جيش الاحتلال الإسرائيلي قاربها في المياه الدولية في 8 أكتوبر الماضي، واقتادها الجنود إلى حيث احتُجزت لمدة خمسة أيام.
ووصفت "ليدتك" أنها سمعت حراسًا ذكورًا يضحكون أثناء الاعتداء، وتعتقد أنهم شاهدوا ذلك وربما صوروه، حيث وقع الاعتداء في منطقة منفصلة عن ممر السجن بستارة مسدلة جزئيًا تركها المعتدون مفتوحة.
ونقلت عنها صحيفة "ذا جارديان" البريطانية أن الإساءة والعنف الموجهين ضد المشاركين في "أسطول الحرية" في السجون الإسرائيلية، بما في ذلك الاغتصاب، كانا يهدفان إلى الترهيب. وأضافت: "من الواضح أنهم يريدون كسر إرادتنا وإسكاتنا، وجعل هذه التجربة مؤلمة للغاية لدرجة أننا لن نتحدث عن فلسطين مرة أخرى".
لسنوات، اعتادت إسرائيل تعذيب الفلسطينيين المحتجزين في سجونها كممارسة منهجية، في حين احتفل المسؤولون بإساءة معاملة النشطاء الأجانب، الذين نددوا بالمحاولات الفاشلة لمحاكمة لجنود الاحتلال على خلفية اعتداء واغتصاب موثقين.
وفي مايو الماضي، أضافت الأمم المتحدة إسرائيل إلى القائمة السوداء للعنف الجنسي في النزاعات، مشيرة إلى انتهاكات ارتكبتها قوات الاحتلال، بما في ذلك اغتصاب المحتجزين الذكور، وأثارت بريطانيا هذا الشهر مخاوف بشأن الاعتداء الجنسي في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
كما تُجري الشرطة الأسترالية تحقيقًا في مزاعم الاغتصاب والتعذيب التي أدلى بها المشاركون في الأسطول في مايو الماضي، وقد فتح المدعون الفرنسيون تحقيقاً في جرائم الحرب بشأن التعذيب وسوء معاملة مواطنيهم المحتجزين لدى إسرائيل.
وفي ديسمبر الماضي، أصبحت "ليدتك" أول ناشطة في أسطول الحرية تتحدث علنًا عن الاغتصاب في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية. وقد أبلغت أكثر من اثنتي عشرة امرأة أخرى عن تعرضهن لاعتداءات جنسية، معظمهن بشكل سري. فيما قدّم محاموها في إسرائيل شكوى يطالبون فيها السلطات بالتحقيق في مزاعمها.
ليس تدريبًا
حكت "ليدتك" أنه في الثامن من أكتوبر، نحو الساعة 4:30 صباحًا، أيقظها القبطان معلنًا: "هذا ليس تدريبًا، الإسرائيليون قادمون". صعدوا على متن القارب، وأرسلوا النشطاء إلى الكافتيريا، وأبحروا باتجاه ميناء أشدود الإسرائيلي، ووصلوا في المساء.
تم اقتيادها لإجراءات التحقيق، وقالت إن أحد المتحدثين باللغة الألمانية بطلاقة وصفها بأنها "عاهرة نازية"، وقالت إن أول اعتداء جنسي وقع بعد ذلك بوقت قصير، أثناء تفتيشها عارية، وهو الأمر الذي رفضت الخضوع له، لكنها أُجبرت مع ذلك على خلع ملابسها في منطقة لم يكن يحجبها سوى ستارة جزئيًا. وكان جسدها العاري مرئيًا للجنود الذكور المارين. وأضافت: "نظر إلينا بعضهم مباشرة أثناء مرورهم".
في وقت لاحق من تلك الليلة، اقتيدت معصوبة العينين ومقيدة اليدين إلى سجن "كتسيعوت" (النقب)، حيث خضعت لتفتيش مهين مرة أخرى، وهي عارية تمامًا، دون موافقتها. وقالت: "أخبرتهم أنني لا أريد ذلك، وقد فتشوني قبل ساعات، فلماذا يعيدون تفتيشي؟". وأضافت أن من وافقوا على التفتيش سُمح لهم بالاحتفاظ بملابسهم الداخلية.
بعدها، أُعطيت ملابس السجن واقتيدت إلى زنزانة قذرة لا تتوفر فيها مياه شرب نظيفة. حُرمت من النوم طوال الليل بسبب الموسيقى الصاخبة، وعمليات التفتيش المتكررة للزنزانة، بما في ذلك باستخدام الكلاب، وكانت تسمع صراخًا من أجزاء أخرى من السجن.
وفي العاشر من أكتوبر، نُقلت ليدتك مرة أخرى إلى سجن "جيفون". وهناك اقتيدت مجددًا إلى منطقة لم تكن محجوبة عن الأنظار إلا جزئيًا بستارة، وأُمرت بالتجرد من ملابسها. وعندما رفضت، قام الحراس بنزع ملابسها، وتحرشوا بها، وأجبروها على الركوع.
قالت: "كان هناك جنديتان، ثم ثلاث جنديات لاحقاً، طلبن مني خلع ملابسي. بدأن يلمسنني. رفضتُ. قلتُ لهن إنني لا أريد أن يلمسنني وأنهن يؤذينني. ثم أمسكن بيديّ، فلم أستطع الحركة، ثم دفعنني أرضًا، وما زلت أحاول الصراخ، ثم كممن فمي حتى لا أستطيع الصراخ".
وحكت أن الإذلال زاد من ألم الاعتداء الجسدي "أتذكر الجنود الذكور وهم يضحكون، واقفين هناك يضحكون. أعلم أنهم كانوا قادرين على رؤية كل شيء لأن الستارة لم تكن مغلقة تمامًا".
الإفلات من العقاب
في أول مقابلة لها حول القضية، نقلت الصحيفة البريطانية عن الناشطة الشابة: "لا يوجد سبب يدعوني للخجل. كلما التزمنا الصمت، سيفعلون الشيء نفسه بشخص آخر". بينما أشارت محاميتها إلى أن الشكوى، التي أُرسلت إلى المدعي العام الإسرائيلي، والمستشار القانوني لدائرة السجون الإسرائيلية، وإدارة التحقيق مع حراس السجون (ياهس)، وقائد سجن "جيفون"، كانت بمثابة تحدٍ لـ "ثقافة الإفلات من العقاب" فيما يتعلق بإساءة معاملة السجناء في إسرائيل.
وقالت: "ترغب آنا في تحقيق العدالة واستنفاد جميع السبل لمحاسبة مرتكبي هذه الأعمال. كما نرغب في زيادة الوعي ومعرفة كيف سيتعامل النظام الإسرائيلي مع مطلبنا بفتح تحقيق".
وأضافت: "إن العنف الجنسي والاغتصاب انتهاكات متكررة تُرتكب ضد الأسرى الفلسطينيين منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. ونحن نشهد الآن تصعيداً حيث تستعد إسرائيل لتوسيع نطاق هذا السلوك ليشمل مواطنين أجانب يتصرفون تضامناً مع الفلسطينيين".
وبرفضها الخضوع، حوّلت ليدتك الاعتداء إلى جزء من نشاطها، لتصبح صوتًا لمن لا يزالون في السجون الإسرائيلية أو لمن قد يتعرضون له في المستقبل. وقالت: "لا أعتقد أن التحدث علنًا سيؤدي إلى إنهاء الاغتصاب في مراكز الاحتجاز. لكني أشعر بمسؤولية التحدث عن هذا الأمر، ومن ثم مكافحته".
وأكدت: "هذه ليست مجرد تجربتي الشخصية، بل هي تجربة أكثر منهجية. ولا أستطيع التأكيد بما فيه الكفاية على أنها أقل بكثير مما يعانيه السجناء الفلسطينيون".