في الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة تصعيد عملياتها العسكرية ضد إيران، تتجه الأنظار إلى هدف يوصف بأنه الأكثر تحصينًا في البرنامج النووي الإيراني، وهو منشأة "جبل بيكاكس"، التي يعتقد خبراء غربيون أنها أصبحت الملاذ الأكثر أمنًا لأهم مكونات المشروع النووي الإيراني، وسط شكوك متزايدة حول قدرة حتى أقوى الأسلحة الأمريكية على تدميرها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "تليجراف" البريطانية، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوّح باستهداف المنشأة بعد ثلاثة أيام متتالية من الضربات التي طالت مواقع عسكرية ومنشآت رادار وقواعد بحرية تابعة للحرس الثوري الإيراني جنوب البلاد، مؤكدًا أن "جبل بيكاكس" سيكون الهدف التالي.
حصن داخل جبل
وتقع المنشأة، المعروفة بالفارسية باسم "كوه كولانج غاز لا"، في محافظة أصفهان، على بُعد نحو 145 كيلومترًا جنوب منشأة "فوردو" لتخصيب اليورانيوم، وعلى مسافة قصيرة من مجمع نطنز النووي.
وخلال السنوات الأربع الماضية، شهد الموقع أعمال حفر وتوسعة مستمرة، بينما أظهرت صور أقمار صناعية حديثة استمرار دخول وخروج الشاحنات من مداخل الأنفاق، في مؤشر على أن أعمال الإنشاء لا تزال جارية.
لكن ما يجعل "جبل بيكاكس" مختلفًا عن بقية المنشآت النووية الإيرانية ليس حجمه فقط، وإنما مستوى تحصينه الجيولوجي.
أعمق من فوردو
وتشير تقديرات خبراء تحدثوا لصحيفة "تليجراف" إلى أن القاعات والمنشآت الموجودة داخل الجبل تقع على عمق يتراوح بين 80 و100 متر داخل صخور الجرانيت الصلبة، وربما يزيد عن ذلك في بعض المناطق.
ويفوق هذا العمق منشأة "فوردو"، التي تُعد واحدة من أكثر المنشآت النووية الإيرانية تحصينا، حيث تقع منشآتها بين 60 و90 مترًا تحت سطح الأرض.
كما يرتفع جبل بيكاكس إلى نحو 1608 أمتار فوق سطح البحر، ما يمنحه حماية طبيعية إضافية، إلى جانب احتوائه على أربعة مداخل رئيسية للأنفاق بدلًا من مدخلين فقط في منشأة فوردو، وهو ما يعقد أي عملية عسكرية تستهدفه.
هل تستطيع أمريكا تدميره؟
يرى محللون عسكريون أن تدمير المنشأة يمثل تحديًا غير مسبوق حتى بالنسبة للولايات المتحدة.
فالقنبلة الأمريكية الأقوى لاختراق التحصينات، GBU-57 Massive Ordnance Penetrator، التي تزن نحو 30 ألف رطل، صُممت لاختراق ما يقارب 60 مترًا من التربة قبل الانفجار. لكن خبراء يؤكدون أن الصخور الجرانيتية الكثيفة والعمق الكبير للمنشأة قد يجعلان القنبلة غير قادرة على الوصول إلى الأهداف الموجودة داخل الجبل، الأمر الذي دفع بعض الإيرانيين إلى وصف الموقع بأنه "القلعة الجرانيتية التي لا تقهر".
لماذا بُنيت المنشأة؟
بدأت أعمال الحفر في المنطقة منذ عام 2007، إلا أن تحويلها إلى مجمع نووي استراتيجي تسارع بعد عام 2020، عقب تعرض منشأة نطنز لسلسلة عمليات تخريب استهدفت أجهزة الطرد المركزي.
وفي أعقاب تلك الهجمات، أعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك، علي أكبر صالحي، أن بلاده بدأت إنشاء "قاعات متطورة داخل قلب الجبل" لضمان استمرار تطوير أجهزة الطرد المركزي بعيدًا عن أي استهداف.
لا تعلن إيران رسميًا طبيعة الأنشطة داخل المنشأة، إلا أن محللين يطرحون ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أولًا: إنشاء مصنع جديد لتجميع أجهزة الطرد المركزي المتطورة بدلًا من المنشآت التي تعرضت للتدمير في نطنز.
ثانيًا: نقل عمليات معالجة وتصنيع اليورانيوم إلى داخل الجبل لحمايتها من الضربات الجوية.
ثالثًا: إنشاء منشأة سرية لتخصيب اليورانيوم، وهو الاحتمال الذي يثير أكبر مخاوف الدول الغربية.
وعندما طالب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، طهران بالكشف عن طبيعة الأنشطة داخل الجبل، جاء الرد الإيراني مقتضبًا: "هذا ليس من شأنكم".