كشف تحقيق أجرته صحيفة "ذا جارديان" البريطانية أن المسؤولين الفيدراليين المكلفين بتنفيذ برنامج "الترحيل الجماعي"، الذي وضعته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واجهوا "حملة ترهيب غير عادية" داخل وزارة الأمن الداخلي "DHS"، خلال الأشهر الأخيرة من ولاية الوزيرة كريستي نويم ووصول خليفتها.
ووفقًا لأكثر من ثلاثين مسؤولًا حاليًا وسابقًا في وزارة الأمن الداخلي، هناك "مناخ من الخوف غذّاه موالون لترامب في مناصب عليا، إذ همّشوا أو عزلوا مسؤولين ذوي خبرة أثاروا مخاوف بشأن أعمال غير قانونية محتملة، وهددوا بالفصل أو الاعتقال لإسكات المعارضة". كما ادعى العديد منهم أنهم خضعوا لاختبارات كشف الكذب، التي أجراها أفراد من الجيش الأمريكي.
وقبل ذلك، وخلال العام ونصف العام الماضيين، تم تفكيك مكاتب بأكملها، وتجريد هيئات الرقابة من موظفيها وصلاحياتها. وكانت الأقسام المسؤولة عن سياسة اللاجئين، واللجوء، والحماية الإنسانية، ولمّ شمل الأسر، من بين الأقسام الأكثر تضررًا. وأكد مسؤولون حاليون وسابقون أن هذه الممارسات استمرت خلال فترة انتقال القيادة إلى ماركواين مولين.
اختبارات كشف الكذب
في عهد نويم، نفذت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أكثر من 675 ألف عملية ترحيل، ورفعت مستوى احتجاز المهاجرين إلى مستويات قياسية، كما أوقفت الإدارة جميع عمليات إعادة توطين اللاجئين تقريبًا، بينما سرّعت إجراءات قبول المهاجرين البيض من جنوب إفريقيا.
واستأنفت ممارسات فصل العائلات، ووسّعت نطاق نقل المهاجرين المُرحّلين إلى دول ثالثة، وأرسلت بعض المهاجرين إلى سجن "سيكوت" الضخم في السلفادور، وبدأت استخدام "جوانتانامو" كمرفق لاحتجاز المهاجرين، وهي خطوة وصفها قاضٍ فيدرالي بأنها "عقابية بشكل غير مقبول".
ونقل التقرير عن العديد من المسؤولين الحاليين والسابقين في وزارة الأمن الداخلي أنهم شهدوا، أو خضعوا شخصيًا، لاختبارات كشف الكذب، "ليس كجزء من المراجعات الأمنية الروتينية، بل كأداة للترهيب". وانتشرت تقارير واسعة النطاق حول استخدام أجهزة كشف الكذب في مختلف الوكالات الفيدرالية، وصرّحت وزارة الأمن الداخلي بأنها "لا تعتذر" عن جهودها لكشف مُسرّبي المعلومات.
ورغم أن هوية الأشخاص الذين أجروا هذه الاختبارات ظلت مجهولة سابقًا، كشفت الصحيفة البريطانية أنهم عرّفوا أنفسهم بأنهم من أفراد القوات الجوية، وأنهم يُستخدمون لاستجواب موظفين مدنيين في وكالة فيدرالية أخرى.
وظاهريًا، أُجريت اختبارات كشف الكذب بسبب مخاوف غير محددة بشأن التصاريح الأمنية للموظفين، لكنها استُخدمت، في الواقع، لخلق جو من الخوف. كما ذكر العديد ممن خضعوا لاختبار كشف الكذب أنهم تلقوا حقوقهم وفقًا لـ"قانون ميراندا" قبل بدء الاستجواب، رغم أن هذه القواعد مخصصة فقط للتحقيقات والملاحقات الجنائية.
ورغم تلقي الموظفين إشعارًا كتابيًا يصف الفحص بأنه اختياري، قال العديد من الموظفين السابقين إن المشرفين أخبروهم بأن الإدارة العليا أوضحت العواقب بجلاء: فالرفض قد يؤدي إلى فقدان التصريح الأمني، وبالتالي فقدان الوظيفة.
إعادة التعيين
بالنسبة إلى الكثيرين، لم يكن اختبار كشف الكذب سوى البداية، إذ تم نقلهم إلى مكاتب في مناطق مختلفة من البلاد، وغالبًا ما كانوا يشغلون مناصب لا يمتلكون خبرة فيها، وفي وكالات ذات مهام بعيدة كل البعد عن مهامهم.
وحسب الصحيفة البريطانية، بدت الوزارة "منغمسة بشكل متزايد في صراعات داخلية على السلطة، وضغوط سياسية، ومطالب بالولاء الشخصي".
ونقلت الصحيفة عن مسؤول سابق رفيع المستوى في إدارة الجمارك وحماية الحدود أن الوزيرة السابقة كريستي نويم كانت تتصادم بشكل متكرر مع كبار القادة المهنيين داخل إدارة الجمارك وحماية الحدود، بمن فيهم المسؤولون الذين لم تكن تملك سلطة عزلهم.
وبحسب المسؤول السابق، عندما فشلت تلك الجهود، أصبح موظفوهم أهدافًا. فقد تم نقل الموظفين الذين أمضوا عقودًا داخل الإدارة، بمن فيهم موظفو الاستقبال المسؤولون عن الجدولة وتنسيق السفر والعمليات اليومية، أو تم تهميشهم أو فصلهم.
وأقال ترامب نويم في مارس 2026، وسط رد فعل عنيف من الحزبين، في أعقاب مقتل مواطنين أمريكيين اثنين على يد عملاء الهجرة الفيدراليين في مينيسوتا، وتزايد التدقيق في حملة إعلانية ممولة من دافعي الضرائب بقيمة 200 مليون دولار للترويج لقيادتها، فضلًا عن التساؤلات المحيطة بممارسات التعاقد في الوزارة.
وفي أواخر مارس، وبعد أسابيع من إقالة نويم، صادق مجلس الشيوخ على تعيين ماركواين مولين، السيناتور الجمهوري عن ولاية أوكلاهوما وأحد أشد المدافعين عن ترامب، وزيرًا جديدًا للأمن الداخلي، بأغلبية 54 صوتًا مقابل 45. وخلال جلسة المصادقة، تعهد مولين بإدارة الوزارة بكفاءة أكبر من سلفه، قائلًا: "هدفي خلال ستة أشهر ألا نكون حديث الساعة كل يوم".