كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجلس في المكتب البيضاوي في وقت سابق من هذا العام مع وزير الخارجية ماركو روبيو عندما خطرت له فكرة، وهي أنه ربما ينبغي عليه إرسال روبيو بشكل دائم إلى كاراكاس، عاصمة فنزويلا، حيث نفذت القوات الخاصة الأمريكية الإنجاز الأبرز في السياسة الخارجية خلال ولاية ترامب الثانية، وهو القبض على نيكولاس مادورو، رئيس البلاد.
عندما ألمح ترامب إلى أن روبيو قد يكون الزعيم القادم لفنزويلا، وبينما يقول مساعدو الرئيس إنه كان يمزح، وأنه يمازح روبيو باستمرار بشأن مهمة خارجية، فإن الحقيقة هي أن "روبيو ليس بحاجة للانتقال إلى كاراكاس، بل هو يدير فنزويلا بالفعل من واشنطن"، كما تشير صحيفة "نيويورك تايمز".
في الأشهر الستة التي تلت اقتحام القوات الأمريكية لغرفة نوم مادورو واعتقاله في جنح الظلام، أصبح روبيو الحاكم الفعلي لفنزويلا، حيث يمارس نفوذه على دولة ذات سيادة بطريقة لم يمارسها أي مسؤول أمريكي منذ وصول بول بريمر إلى بغداد عام 2003 لإدارة العراق الذي احتلته الولايات المتحدة.
وفعليًا، يُسيطر روبيو على مالية فنزويلا، وتوزيع مواردها الطبيعية، وحكومتها، وفق التقرير الذي أكد دوره في توجيه سياسات البلاد، مشيرة إلى أنه "رغم أنه لم يزر فنزويلا شخصيًا منذ اعتقال مادورو، إلا أن وزير الخارجية منخرطٌ بشكلٍ كبير في شؤون البلاد اليومية، ويحافظ على تواصلٍ وثيق مع ديلسي رودريجيز، التي كانت نائبة مادورو وتتولى الآن إدارة شؤون البلاد بالوكالة، بدعمٍ من الولايات المتحدة".
ويلفت التقرير إلى أن الاثنين "يتبادلان الأحاديث عبر رسائل تطبيق واتساب باللغة الإسبانية ".
وتشير الصحيفة إلى أن وضع الوزير الأمريكي في فنزويلا صار أشبه بـ"نائب الملك"، وهو اللقب الذي كان يُطلق على الحكام الأقوياء الذين حكموا الإمبراطورية الإسبانية حتى ثارت فنزويلا ومعظم مقاطعاتها الأخرى وحصلت على الاستقلال في أوائل القرن التاسع عشر.
مظاهر القوة
تبدو العلاقة بين روبيو ورودريجيز أبعد ما تكون عن الشراكة، في واقعها "هي مظهر من مظاهر القوة الأمريكية في عهد ترامب، حيث يستحوذ الفائز على كل شيء بغض النظر عن السيادة والقانون الدولي"، حسب "نيويورك تايمز".
وتشير الصحيفة إلى أن "السيطرة المباشرة على الإيرادات العامة في فنزويلا، على وجه الخصوص، تميز نفوذ واشنطن هناك عن معظم الدول الأخرى التي تخضع لقوتها العسكرية والمالية".
في الوقت الحالي، تتلقى وزارة الخزانة الأمريكية عائدات معظم صادرات فنزويلا، ثم توزعها تدريجيًا عبر البنوك الخاصة في البلاد "في علاقة أشبه بتوزيع الآباء مصروفاً على أبنائهم"، ويضع روبيو وفريقه الشروط المتعلقة بأوجه إنفاق هذه الأموال، ومن ينفقها.
ومكّن هذا النظام روبيو من إيقاف مخططات الفساد في فنزويلا. كما أنه يعود ببعض الفوائد على الحكومة الفنزويلية، التي تستفيد من الحماية الفعّالة التي توفرها وزارة الخزانة الأمريكية لتحصيل إيراداتها دون أن تلاحقها ضغوط الدائنين الذين يطالبون بسداد مليارات الدولارات من الديون غير المسددة.
كما يشرف على تطبيق العقوبات الأمريكية على فنزويلا، ويحدد الجهات المسموح لها بممارسة الأعمال التجارية في البلاد وكيفية ذلك. وقد عمل على إعادة هيكلة قطاع النفط وعزز وصول الشركات الأمريكية إليه.
لكن أيضًا، منح هذا الترتيب روبيو نفوذًا هائلًا على رودريجيز، التي تعتمد على هذه الأموال لدفع أجور العمال ودعم العملة الوطنية. في الوقت نفسه، من جانبها، تُحيل رودريجيز إليه تعيينات حكومية مهمة، مثل وزير الدفاع.
مستعمرة أخيرة
منذ أن ضرب زلزالان فنزويلا الشهر الماضي، سعى روبيو إلى دعم الحكومة المؤقتة في البلاد. وأرسلت الولايات المتحدة 900 جندي إلى فنزويلا، وتعهدت بتقديم مساعدات بقيمة تقارب 400 مليون دولار، وقدمت شحنات نقدية إلى الحكومة الفنزويلية.
أدت الزلازل إلى تعقيد مهمة روبيو المعلنة لإعادة فنزويلا إلى الديمقراطية، بحيث صارت "انتكاسة في هذا الصدد"، كما أقر روبيو الشهر الماضي. لكن قدرة البلاد على التعافي أمر بالغ الأهمية لتحقيق هدف ترامب النهائي، وهو تأمين النفط الفنزويلي للمصالح الأمريكية.
ويعد هذا الترتيب غير عادي للغاية، إذ يأتي بعد 80 عامًا من تخلي الولايات المتحدة عن آخر مستعمرة رسمية كبيرة لها، وهي الفلبين. لكن ترامب أوضح أنه يريد العودة إلى حقبة التوسع الأمريكي، متأملاً في السيطرة على جرينلاند وكندا وقناة بنما.
في المقابل، يتهم منتقدو ترامب الولايات المتحدة باستنزاف موارد فنزويلا ودعم حكومة استبدادية من خلال إبقاء أتباع مادورو في مناصبهم إلى حد كبير. كما يورط هذا الترتيب الولايات المتحدة في مصير نظام غير منتخب لا يحظى بشعبية كبيرة، ويواجه ضغوطاً متزايدة للتغيير السياسي.
كما يمثل نهج روبيو الواقعي المتشدد في فنزويلا تحولًا جذريًا بالنسبة لرجل أمضى حياته المهنية في تصوير نفسه كمدافع عن الديمقراطية في أمريكا اللاتينية. وقد صرح بأن هدفه هو تحقيق انتقال ديمقراطي في نهاية المطاف.وقد تؤثر نتائج التدخل في فنزويلا على مستقبل روبيو السياسي في الوقت الذي يفكر فيه ترامب في خليفته.