وسط تركيزها على الحرب الإيرانية، تستمر حملة الضغط التي تشنها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حكومة كوبا في محاولة خنق أهم صادرات الجزيرة، وأحد مصادرها القليلة المتبقية للعملة الصعبة: الأطباء والممرضات الذين تنشرهم في الخارج.
في السابق، حظرت الولايات المتحدة شحنات الوقود عن هافانا، وفرضت عقوبات على كبار مسؤوليها ووجهت إليهم اتهامات، وقلصت الأموال التي يرسلها الكوبيون في الخارج إلى أقاربهم في الوطن. والآن، تسعى واشنطن إلى تقليص البعثات الطبية الكوبية، التي استمرت لعقود.
وتحصل هافانا من خلال هذه البعثات على مدفوعات مقابل تصدير الأطباء والممرضات إلى أكثر من 50 دولة، وهو ما يوفر مليارات الدولارات من الإيرادات لبلد يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي.
وحسب ما ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، ضغط مسؤولو إدارة ترامب على الدول التي توظف كوادر طبية كوبية لإنهاء عقودهم أو تقليصها، مهددين بفرض قيود على التأشيرات وعقوبات أخرى على المسؤولين الأجانب الذين لا يمتثلون.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة تشارك المعلومات حول ما وصفته بـ"الممارسات الاستغلالية للبرنامج"، وتحث الحكومات التي تستخدم الأطباء الكوبيين على توظيفهم ودفع رواتبهم مباشرة بدلًا من الدفع عبر هافانا.
وخوفًا من الغضب الأمريكي، قامت بعض الدول بتحويل رواتب الأطباء عبر شركات توظيف من دول ثالثة، ودحضت مزاعم العمل القسري بتوثيق احتفاظ الكوبيين بجوازات سفرهم وحساباتهم المصرفية.
كما استقدمت أنتيجوا وبربودا أكثر من 120 ممرضة من غانا تحسبًا لاحتمال "اضطرارها للتخلص من جميع الممرضات والأطباء الكوبيين فجأة"، كما صرّح رئيس الوزراء جاستون براون في يناير الماضي.
فخر كوبا
تُرسل كوبا كوادر طبية إلى الخارج منذ عام 1963، وكانت أولى هذه البعثات إلى الجزائر. وقد أشاد الزعيم التاريخي للبلاد فيدل كاسترو بالأطباء ووصفهم بأنهم "جيش من ذوي المعاطف البيضاء" الذين قدموا خدمات صحية مجانية للفقراء، ورأت حكومته في ذلك أداة رئيسية لتعزيز مكانة كوبا الدولية.
كما أدركت هافانا سريعًا أن "مبشريها" من أجل الثورة الكوبية يمثلون شريان حياة ماليًا، وليس سياسيًا فقط، إذ جنوا نحو 8 مليارات دولار سنويًا في ذروة نشاطهم قبل ما يزيد قليلًا على عقد من الزمان.
وفي عام 2024، وهو آخر عام تتوفر عنه بيانات رسمية، حققت هذه البعثات نحو 5.3 مليار دولار، أي ما يعادل نصف إجمالي الصادرات الكوبية، بحسب توريس.
وينقل التقرير عن منظمة "مدافعو السجناء"، وهي منظمة حقوقية مقرها مدريد وتعمل مع المعارضين الكوبيين، أن هافانا تستطيع جني آلاف الدولارات شهريًا من كل طبيب، حيث يتراوح العائد من الطبيب الواحد بين نحو 3500 دولار في المكسيك و4000 دولار في إيطاليا بعد دفع الرواتب.
وتشير "وول ستريت جورنال" إلى أن روبيو استهدف البرنامج منذ أن كان عضوًا في مجلس الشيوخ، ووصف النظام في هافانا بأنه "عصابات اتجار بالبشر ترعاها الدولة".
شريان الحياة
لكن في المجتمعات التي يخدمها هؤلاء الأطباء، يطلق عليهم السكان اسم "شريان الحياة"، إذ يقدمون للمرضى خدمات مجانية، كما ترفض بعض الحكومات قطع العلاقات مع البعثات الطبية الكوبية.
وفي سانت لوسيا، وهي جزيرة كاريبية صغيرة يبلغ عدد سكانها 180 ألف نسمة، وتجذب قممها البركانية الشاهقة حشودًا من السياح، يعمل الأطباء الكوبيون في نظام الرعاية الصحية منذ أكثر من 40 عامًا. لذلك قال رئيس وزراء سانت لوسيا، فيليب بيير، بعد تلقيه استفسارًا من إدارة ترامب العام الماضي: "سينهار نظامنا الصحي تمامًا بدونهم".
وقد صرّح بيير، كغيره من قادة المنطقة، بأن حكومته تدفع رواتب الأطباء الكوبيين مباشرةً، وتُعاملهم معاملة الأطباء المحليين. إلا أن مسؤولين أمريكيين أشاروا إلى أن هذه التطمينات لا تبدد مخاوفهم الأوسع نطاقًا بشأن توظيف هؤلاء الأطباء عبر البرنامج الكوبي، الذي قد يتقاضى الأجور التي تدفعها لهم هذه الدول.
وعندما ضغطت الولايات المتحدة على سانت فنسنت وجزر جرينادين لتسريح أطبائها الكوبيين العام الماضي، ردّ رئيس الوزراء رالف جونسالفيس قائلًا: "أفضل أن أفقد تأشيرتي على أن يموت 60 شخصًا فقيرًا وعاملًا".
ضغوط أمريكية
حسب التقرير، بدأت الحملة ضد البرنامج الطبي الكوبي بعد أسابيع قليلة من عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، حيث تلقت عدة دول في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي استفسارات من مسؤولين أمريكيين حول الأطباء الكوبيين المنتشرين هناك، فبادر وزير الخارجية ماركو روبيو إلى منع المسؤولين الأجانب المتورطين في البرنامج من دخول الولايات المتحدة.
وخلال جولة له في منطقة الكاريبي في مارس الماضي، ضغط روبيو على القادة السياسيين لوقف دفع رواتب الأطباء في كوبا، قائلًا إن حكومتها تنفذ مخططًا للعمل القسري مقنعًا بالمساعدات الإنسانية.
وقال روبيو في جامايكا، واقفًا إلى جانب رئيس الوزراء أندرو هولنس: "النظام لا يدفع رواتب هؤلاء الأطباء، ويصادر جوازات سفرهم، وهو في جوهره عمل قسري".
وعلى الرغم من دفاع هولنس العلني عن البرنامج بقوله: "دعونا نكن واضحين، لقد كان الأطباء الكوبيون في جامايكا عونًا كبيرًا لنا"، أنهت جامايكا شراكتها التي استمرت نحو 50 عامًا الشتاء الماضي. وحذت دول أخرى حذوها، فعلقت أو أعادت هيكلة اتفاقياتها مع كوبا تحت ضغط الولايات المتحدة.
وفي جواتيمالا، بدأ 412 من العاملين الكوبيين، بينهم 333 طبيبًا، مغادرة البلاد في أبريل، ومن المقرر أن يغادر آخرهم بنهاية العام. كما علقت جزر البهاما توظيفها للأطباء الكوبيين.
وعندما تولى رئيس هندوراس، نصري أسفورا، حليف ترامب، منصبه في يناير الماضي، أعاد إلى بلاده أكثر من 150 من العاملين الطبيين الكوبيين. وأظهرت مقاطع فيديو نشرتها وسائل إعلام محلية ومؤيدة لكوبا وداعًا مؤثرًا من السكان الذين صفقوا بحرارة للطاقم الكوبي المغادر أثناء مغادرتهم عيادات طب العيون التي كانوا يديرونها.