تتجه أيسلندا إلى استفتاء قد يعيد فتح مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهي خطوة تقع ضمن ملفات مثيرة للجدل أبرزها سياسات مصايد الأسماك ومستقبل صيد الحيتان التجاري، وسط تباين في مواقف الأحزاب والقطاع الاقتصادي والناشطين البيئيين.
استفتاء مرتقب
وذكرت صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، أن الحكومة الأيسلندية تستعد لحظر صيد الحيتان التجاري، لتسهيل مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إذ إن أيسلندا بجانب النرويج واليابان، لا تزال من الدول القليلة التي تسمح بصيد الحيتان رغم حظره من قبل اللجنة الدولية لصيد الحيتان عام 1986.
ويصوت الأيسلنديون في 29 أغسطس على استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، التي توقفت منذ سنوات، ما يعني التخلي عن السيطرة على سياسة مصايد الأسماك لصالح بروكسل، التي تحظر تجارة الحيتان ومنتجاتها، ومنها زيت الحيتان.
ويحظى صيد الحيتان بجذور تاريخية وثقافية عميقة في أيسلندا، وهو ما يجعله رمزًا محتملًا للتضحية بالسيادة الوطنية، إذ يقول كريستيان لوفتسون، الرئيس التنفيذي لشركة "هفالور"، آخر شركة تجارية لصيد الحيتان في البلاد، إن صيد الحيتان لا يختلف عن أي نشاط آخر لاستغلال الموارد البحرية الحية.
وأضاف لوفتسون أن صيد الحيتان يمكن أن يستمر إلى الأبد إذا جرى بصورة مستدامة، معربًا عن اعتقاده بأن الأيسلنديين لن يصوتوا لصالح استئناف مفاوضات عضوية الاتحاد الأوروبي، متسائلًا: "من يريد الانضمام إلى اتحاد على وشك الإفلاس؟".
واقع الصناعة
استؤنف صيد الحيتان في أيسلندا الشهر الماضي بعد توقف استمر عامين نتيجة ضغوط اقتصادية جعلت النشاط غير مربح، من بينها انخفاض الطلب الياباني على لحوم الحيتان.
ونفق حوتان من نوع الحوت الزعنفي، وهو ثاني أكبر الحيوانات على وجه الأرض بعد الحوت الأزرق ويصنف ضمن الأنواع المهددة بالانقراض، بعد يومين من استئناف الصيد، وأوصى معهد أبحاث البحار والمياه العذبة بألا يتجاوز عدد الحيتان التي تُصاد 150 حوتًا خلال موسم 2026.
ويرى دعاة حماية البيئة ومؤيدو حملة "نعم" أن صيد الحيتان يستخدم لمعارضة عضوية الاتحاد الأوروبي وإثارة المشاعر القومية، بينما ركزت حملة "لا" على مخاوف فقدان السيطرة على مصايد الأسماك والتجارة، دون الربط المباشر بين الملفين.
مخاوف اقتصادية
تعد صناعة صيد الحيتان صغيرة نسبيًا، بينما بلغت قيمة صادرات مصايد الأسماك نحو 2.2 مليار جنيه إسترليني خلال عام 2023، وهو ما يعادل نحو 30% من إجمالي عائدات صادرات البلاد.
وقال البروفيسور هارالدور أولافسون، زعيم حملة "لا"، وفق "ذا تليجراف"، إن الاتحاد الأوروبي هو الجهة النهائية التي تقرر كل ما يتعلق بالصيد، مضيفًا أن مصالح سكان أيسلندا لن تكون ضمن أولويات الاتحاد.
ويعارض حزب الاستقلال، أكبر أحزاب المعارضة من يمين الوسط، عضوية الاتحاد الأوروبي، ويعتبر صيد الحيتان حقًا سياديًا تقرره أيسلندا وحدها، كما يخشى قطاع مصايد الأسماك أن يؤدي الانضمام إلى فتح المياه الأيسلندية أمام الأساطيل الأجنبية.
هوية أيسلندا
قالت رئيسة حزب الاستقلال جودرون هافستينسدوتير، في يونيو، إن مصايد الأسماك جزء من هوية أيسلندا واستقلالها، مؤكدة رفض تقاسمها مع دول أخرى، وأشارت إلى أن صيد الحيتان تحول إلى قضية سياسية بارزة خلال مفاوضات الانضمام السابقة عام 2013.
وأظهر استطلاع أجري العام الماضي أن نحو نصف السكان عارضوا قرار إصدار تراخيص جديدة لصيد الحيتان عام 2024 لمدة خمس سنوات، بينما أيَّد معظم من تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، ومعظم النساء، فرض حظر كامل على النشاط.
أعلنت الحكومة الحالية، وهي ائتلاف يقوده التحالف الديمقراطي الاجتماعي من يسار الوسط، إجراء الاستفتاء في السادس من مارس، باعتباره المرحلة الأولى من عملية قد تنتهي بعضوية الاتحاد الأوروبي في وقت لاحق من العقد الحالي.
وأظهر استطلاع حديث أن 44.5% يعتزمون التصويت لصالح استئناف المفاوضات، مقابل 39.4% يعارضون ذلك، فيما لم يحسم 14.6% موقفهم، ومع ذلك، لا تزال الأغلبية تعارض العضوية النهائية، التي ستتطلب استفتاء آخر بعد انتهاء مفاوضات الانضمام.
حظر محتمل
أعلنت الحكومة في أبريل، بعد شهر من إعلان الاستفتاء، أنها ستطرح خلال الخريف تشريعًا يقود في نهاية المطاف إلى حظر صيد الحيتان، وقال متحدث باسم الحكومة، وفق "ذا تليجراف"، إن العمل جار حاليًا على إعداد التشريع، وإن الإطار القانوني الحالي سيظل ساريًا حتى إقراره.
ومن المتوقع تطبيق الحظر تدريجيًا مع انتهاء صلاحية تراخيص الصيد الحالية عام 2029، ليتزامن ذلك مع مفاوضات العضوية واحتمال انضمام أيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي في نهاية العقد.
ويتطلب إقرار الحظر يتطلب موافقة أغلبية أعضاء البرلمان الأيسلندي، كما أن الانتخابات المقررة بحلول نوفمبر 2028 قد تؤدي إلى تغيير الحكومة قبل استكمال مسار الانضمام.
وأكد متحدث باسم المفوضية الأوروبية، وفق "ذا تليجراف"، أن الاتحاد الأوروبي يحظر تجارة الحيتان ومنتجاتها ووارداتها، وأن هذه القواعد لا تنطبق حاليًا على أيسلندا لأنها ليست عضوًا في الاتحاد.
وأضاف أن صيد الحيتان سيكون جزءًا من أي مفاوضات مستقبلية، وأن الاتحاد مستعد للانخراط بصورة بناءة وفي الوقت المناسب إذا قرر الشعب الأيسلندي استئناف المفاوضات، مع معالجة أولويات أيسلندا ومخاوفها وفقًا للمبادئ المعتمدة لعملية الانضمام.