في أعقاب حادث تحطم طائرة صغيرة اصطدمت بأعلى ناطحة سحاب في العاصمة بكين الأسبوع الماضي، فرضت السلطات الصينية قيودًا واسعة على تشغيل الطائرات الخفيفة الخاصة ذات الأجنحة الثابتة في مختلف أنحاء البلاد.
وأكد مسؤولون في ثلاث شركات صينية لتشغيل الطائرات الخفيفة، إضافة إلى شركة متخصصة في الطيران الشراعي لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أنهم تلقوا أوامر بإيقاف جميع الرحلات الجوية عقب الحادث الذي وقع مساء الجمعة الماضي، وأسفر عن مقتل قائد الطائرة وإصابة 13 شخصًا آخرين، بعدما اصطدمت الطائرة ببرج CITIC Tower، أعلى مبنى في بكين بارتفاع يبلغ 528 مترًا.
ونقلت الصحيفة البريطانية عن أحد العاملين في نادي Weland Skydive للقفز المظلي بمدينة دانتشو في مقاطعة هاينان قوله، إن النادي اضطر إلى تعليق جميع أنشطة القفز المظلي والطيران الشراعي بسبب ما وصفه بـ "أمر وطني للسيطرة على المجال الجوي، يشمل جميع الرحلات الترفيهية".
وأضاف الموظف، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: "تم حظر أي نشاط يتطلب الطيران، ولا يوجد حتى الآن جدول زمني واضح لرفع القيود".
غموض بشأن الطائرات المسيرة
ولم يتضح بعد ما إذا كانت القيود الجديدة تشمل جميع الطائرات المسيّرة. ففي حين أكد أحد هواة تشغيل الطائرات المسيّرة في مدينة شنتشن أنه تمكن من التحليق بطائرته داخل منطقة حضرية دون قيود، أوضحت مدارس تدريب طياري الدرون في مدن شنتشن وقوانجتشو وفوشان، أن برامجها التدريبية لا تزال مستمرة بصورة طبيعية.
في المقابل، أفاد مدرب في إحدى مدارس تدريب الطائرات المسيرة بمنطقة يانتشينج في بكين، وهي منطقة مخصصة لأنشطة الطائرات المسيرة، بأن السلطات أبلغت المدرسة بحظر جميع الرحلات الجوية منذ أمس الأحد، ما اضطرها إلى الاكتفاء بالدروس النظرية داخل القاعات.
حادث هز العاصمة
ووقع الحادث بعدما أقلعت الطائرة الصغيرة من مدرسة لتعليم الطيران تقع شرق بكين، قبل أن تتجه نحو وسط المدينة وتصطدم بمقر مجموعة CITIC المالية الحكومية، في واحدة من أكثر المناطق التجارية ازدحاما في العاصمة، وعلى بعد كيلومترات قليلة من المجمع الحكومي الذي يضم القيادة السياسية الصينية.
وأثار الحادث صدمة واسعة بين سكان بكين، الذين اعتادوا على إجراءات أمنية مشددة لحماية كبار المسؤولين، خاصة أن الصين تطبق أحد أكثر أنظمة الرقابة الجوية صرامة في العالم، ولا سيما فوق العاصمة.
وفي بيان صدر بعد نحو 24 ساعة من الحادث، أكدت السلطات الصينية فتح تحقيق رسمي، دون الكشف عن أي معلومات تتعلق بهوية الطيار أو أسباب الحادث. كما تعرضت الصور والمناقشات المتعلقة بالواقعة لرقابة سريعة على منصات التواصل الاجتماعي الصينية.
تراجع حاد في حركة الطيران
وأظهرت بيانات منصة Flightradar24، المتخصصة في تتبع حركة الطيران، انخفاضًا حادًا في نشاط الطائرات داخل الصين - باستثناء رحلات الشحن والطيران التجاري - اعتبارًا من يوم السبت الماضي.
وبحسب البيانات، توقفت الرحلات الجوية الخاصة في شمال الصين مباشرة بعد الحادث، بينما استمرت بعض الرحلات في محيط مدينة تشنجدو، التي تعد مركزًا رئيسيًا للطيران الترفيهي، حتى ساعات متأخرة من الأحد قبل أن تتوقف بالكامل.
وأكد أحد نوادي الطيران في تشنجدو أن جميع طائراته متوقفة عن العمل منذ عطلة نهاية الأسبوع، وأن استئناف الرحلات لن يتم إلا بعد صدور تعليمات جديدة من إدارة الطيران المدني الصينية.
كما أشار مشغل للطائرات الشراعية قرب بكين إلى تلقيه الإخطار نفسه، مؤكدًا أن تعليق الرحلات يشمل جميع أنحاء البلاد، في حين لم تصدر إدارة الطيران المدني الصينية أي تعليق رسمي حتى الآن.
ضربة لـ"اقتصاد الارتفاعات المنخفضة"
يأتي القرار في وقت تراهن فيه الصين بقوة على تطوير ما يعرف بـ"اقتصاد الارتفاعات المنخفضة"، الذي يشمل الطائرات المسيّرة وسيارات الأجرة الجوية والسيارات الطائرة، باعتباره أحد القطاعات الواعدة للنمو الاقتصادي.
ووضعت مدينة تشنجدو وحدها هدفًا يتمثل في رفع قيمة هذا القطاع إلى 45 مليار يوان (نحو 6.6 مليار دولار) بحلول نهاية عام 2026.
لكن السلطات الصينية كانت فرضت بالفعل، في وقت سابق من العام الجاري، قوانين جديدة تحظر تشغيل الطائرات المسيّرة في معظم أنحاء العاصمة بكين، مع فرض قيود مشددة على استخدامها في مناطق أخرى من البلاد، وهو ما يعكس تشددًا متزايدًا في إدارة المجال الجوي، خاصة بعد حادث اصطدام الطائرة بأعلى مبنى في العاصمة.