على بعد آلاف الأميال من مضيق هرمز يرتفع عدد القتلى الذين طالتهم تداعيات الحرب الإيرانية بشكل غير متوقع، إذ أصبحت الأمهات والأطفال في مدغشقر ضحايا غير مقصودين لنقص عالمي في الوقود والغذاء الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.
تهديد سلاسل الإمداد
وشنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في أواخر فبراير، ما أدى لإغلاق مضيق هرمز، ورغم أن تلك الحرب التي تدور على بعد ستة آلاف ميل من مدغشقر إلا أنها هددت الشبكة الهشة للأطباء وسلاسل الإمداد وطائرات المتطوعين، وأدت إلى اختناق الأسواق وهي تداعياته قاسية ضربت مدغشقر فأصبح الفاصل فيها بين الموت والبقاء خيط رفيع يحكم فيها على الحالات الطبية الشائعة بالإعدام.
ويمر عبر مضيق هرمز خمس نفط العالم وأدى إغلاقه لارتفاع أسعار الوقود عالميًا، تضررت بشدة أفقر دول العالم من بنجلاديش إلى فيتنام ومن باكستان إلى الفلبين جراء ذلك، إذ تمتلك تلك الدول أقل مخزون من الوقود وأضعف بنية تحتية وأضيق هوامش ربح ممكنة.
تحديات العمل الخيري
ووقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في17 يونيو لتمديد وقف إطلاق النار، ويمتد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا لإعادة فتح المضيق المغلق أمام حركة الملاحة، فيما لا تزال أفقر دول العالم تنتظر شعور الفرق مع بطء التقدم وبقاء السفن عالقة.
وتشير التقديرات لوجود 118 ناقلة نفط عالقة حاليًا في الخليج العربي، فيما يعتقد الخبراء وفق صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية أن الأمر قد يستغرق عامًا كاملًا لعودة سلاسل الإمداد لمستويات ما قبل الحرب، إذ شهدت المؤسسة الخيرية للطيران بمدغشقر ارتفاعًا في تكاليف وقود الطائرات بنسبة 74%.
ويصعب التعامل مع الارتفاع في تكاليف وقود الطائرات في مدغشقر، وفق منظمة ميشن أفياشين فيلوشيب، إذ تستخدم المنظمة ثلاث طائرات من طراز سيسنا للمساعدة في مختلف المشروعات الخيرية بالبلاد، وقال أندري راجاوبيليسون مدير المنظمة في مدغشقر" إن كل رحلة تتعلق بإنقاذ حياة".
أرقام الجوع الصادمة
وقبل الحرب كانت مدغشقر تعاني وضعًا مزريًا تبلغ نسبة الفقر فيه 80%، وتعد خامس أفقر دولة في العالم، ويعاني الملايين فيها من انعدام الأمن الغذائي الحاد بالبلاد، ويواجه 84 ألف شخص مستويات طارئة من الجوع.
وتموت نحو 4500 امرأة أثناء الحمل أو الولادة في كل عام هناك، ولا ينجو طفل من بين كل خمسة عشر طفلًا حتى سن الخامسة كحال البقية، كما يعاني 38% من الأطفال دون الخامسة من التقزم لسوء التغذية المزمن. وضربت الحرب الإيرانية بلدًا يعاني فقرًا مدقعًا وبنية متداعية .
غلاء المعيشة
لا تملك مدغشقر أي وسيلة للحماية من أزمة الطاقة العالمية وتداعياتها الاقتصادية المتلاحقة، إذ ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير بالنسبة لشعب مدغشقر مع ارتفاع أسعار الوقود الشديد، وأعلنت الحكومة في شهر أبريل حالة طوارئ وطنية في مجال الطاقة وتأثيرها واضح.
وتبلغ تكلفة أسطوانة الغاز الآن 10 آلاف أرياري أو نحو جنيه وثمانين بنسًا، ويعني هذا المبلغ الفرق بين تناول الطعام وعدمه لشعب يعيش بأقل من جنيهين، وتعمل مولدات ضخ المياه بالوقود وترتفع أسعار كل شيء تبعًا لارتفاع أسعاره المتواصل.
وتنقل منظمة "ميشن أفياشين فيلوشيب" إمدادات الأغذية المدعمة جوًا، وتستهدف الإمدادات برامج التغذية المدرسية التي ضاعفت معدلات الحضور المدرسي لأكثر من الضعف بالمنطقة، إذ يقطع الأطفال ساعات طويلة سيرًا على الأقدام عبر الأدغال للوصول للمدرسة وتناول الطعام، تعد هذه الوجبة الموزعة بالمدرسة المكونة من غرفتين الوحيدة المضمونة لهم خلال يومهم.
جراحة تحت الظلام
ويعمل فريق طبي متطوع نقلته المنظمة جوا 12 ساعة يوميًا بالعيادة في بلدة بيلو النائية حاليًا، ويعالجون مئات المرضى الذين انتظروا شهورًا لتلقي الرعاية الطبية اللازمة بالبلدة، والتقطت "ذا تليجراف" صورًا لجراحين يجرون عملية جراحية لمريض في غرفة عمليات بسيطة، لا تتوفر فيها كهرباء، لذلك يعمل الجراحون حتى يخفت الضوء تمامًا، ويتوقفون عن الجراحة عندما يبدأ الظلام بالحلول ويطلبون من الناس العودة غدًا.
ويستخدم الأطباء نظامًا متخصصًا يستخرج الأكسجين من الهواء لعدم توفره في العيادة إطلاقًا، ويستعين الأطباء بما لديهم لعدم وجود بيئة معقمة ومجهزة بالشكل الطبي الكافي للعمليات.
معاناة خلف القضبان
يوجد عالم من المعاناة خلف القضبان حيث يحشر سجناء بعمر 13 عامًا، إذ يعاني السجناء من الجوع المزمن وندرة الإمدادات الغذائية في غرف تتسع لنصف عددهم، ويعانون من الجوع المزمن مع ندرة الإمدادات الغذائية، إذ توفر الحكومة الكسافا (وهو نبات يشبه البطاطس) أو الذرة بينما يأتي الأرز كسلعة فاخرة مرة بالأسبوع فقط.
ويفترض حصول السجين على 700 سعر حراري لكنهم يتناولون 200 سعر حراري فقط، وقال القس بينتسوا "يمرض السجناء مع ازدياد ضعفهم ويموت بعضهم بسبب ذلك كليًا".
سرقات من أجل الحياة
ويوجد داخل السجن زنزانة واحدة للأطفال الذين يعيشون جنبًا إلى جنب مع البالغين، والذين عادة ما يكونون مدانين بجرائم بسيطة، بما في ذلك السرقة، ولكنهم يتلقون أحكامًا قاسية.
وحكم على فتى بعمر 13 عامًا بالسجن أربع سنوات لسرقة هاتف، لإطعام نفسه بعد وفاة والدته وكفاحه لأجل البقاء حيًا، إذ تتشكل حياة الناس بمدغشقر جراء عديد من المصاعب المعقدة بين المرض والجوع؛ ليحصدهم الموت سواء كانوا على الأسرة أو في الطرقات أو داخل غيابات السجون.
تحذر شركات الشحن من استغراق شهور لتعافي سلاسل التوريد مع بقاء السفن بهرمز، وهي أزمة تعاني منها الدولة الغنية من ارتفاع الأسعار، لكنها تعني لمدغشقر رحلات إنقاذ تنقطع أو طعامًا لن يصل أو عمليات لن تجرى أو أرواحًا تسلم للموت.